فهرس الكتاب

الصفحة 1768 من 1902

ذَلِكَ أَقُولُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «إِذَا اخْتَلَفُوا، وَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصَابِعَهُ، أَبْصَرَهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ تَقْصِيرٌ، وَإِنْ كَانَ يَزْحَفُ عَلَى اسْتِهِ زَحْفًا» ،ثُمَّ قَالَ: «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ أَقُولُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:"هَلْ سَمِعْتَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى اثْنتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا ثَلَاثُ فِرَقٍ، فِرْقَةٌ مِنْهُمْ قَامَتْ فِي الْمُلُوكِ وَالْجَبَابِرَةِ بَعْدَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَدَعَتْ إِلَى دِينِ اللَّهِ وَدِينِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَصَبَرَتْ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ فَنَجَتْ. ثُمَّ قَامَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ تَكُنْ لَهَا قُوَّةٌ بِالْقِتَالِ، فَقَامَتْ فِي الْمُلُوكِ وَالْجَبَابِرَةِ بِالْقِسْطِ، وَدَعَتْ إِلَى دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدِينِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأُخِذَتْ فَقُطِعَتْ بِالْمَنَاشِيرِ، وَحُرِّقَتْ بِالنِّيرَانِ، فَصَبَرَتْ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَنَجَتْ. ثُمَّ قَامَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ تَكُنْ لَهَا قُوَّةٌ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ تُطِقِ الْقِيَامَ بِالْقِسْطِ، فَلَحِقَتْ بِالْجِبَالِ فتعَبَّدَتْ وَترَهَّبَتْ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد:27] إِلَى {الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ} [الحديد:27] فَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَصَدَّقُونِي، {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16] الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِي وَلَمْ يُصَدِّقُونِي، وَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَرْعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ فَسَّقَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" [1]

فأكرم الناس أتقاهم لله تعالى، فالتقوى هي ميزان التفضيل وليس العصبيات الجاهلية كالقومية أو القبلية أو الإقليمية أوغيرها، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات:13]

يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالى في هذِهِ الآيةِ أنَّ النَّاسَ جَمِيعاً إخوةٌ لأمٍّ وأبٍ، وَلِذَلِكَ فَلَيسَ لأحَدٍ مْنهُمْ أنْ يَسْتَعْلِيَ عَلَى أحَدٍ مِنْ إخْوَتِهِ، وَلا أنْ يُسيءَ إليهِ، وَلا أنْ يَنْتَقِصَهُ، وَلا أنْ يَغْتَابَهُ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى البَشَرَ بالتَّكاثُرِ شُعُوباً وَقَبَائِلَ مُخْتَلِفَةً لِيتَمَكَّنَ بَعْضُهُم مِنْ مَعْرِفَةِ بَعْضٍ، كأنْ يُقَالَ هذا فُلانُ بنُ فَلاَنٍ مِنْ قَبيلَةِ كَذَا مِنْ بَطْنِ كَذَا. وَلاَ فَضْلَ لأحَدٍ عَلَى أحَدٍ إلا بالتَّقْوى، وَالأتْقَى هُوَ الأكْرِمُ عِنْدَ اللهِ، وَالأرْفَعُ مَنْزِلَةً، وَلاَ قِيمَةَ في مِيِزَانِ اللهِ لِلأمْوالِ والأحْسَابِ وَالأولادِ، وَإِنَّما القِيمَةُ

(1) - أمالي ابن بشران - الجزء الأول (ص:332) (774) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت