فهرس الكتاب

الصفحة 1771 من 1902

حَيْثُ قَالَ: الْعُبِّيَّةُ بِالْكَسْرِ الْكِبْرُ وَالْفَخْرُ وَالنَّخْوَةُ. وَقَالَ أَيْضًا: عَبُّ الشَّمْسِ وَيُخَفَّفُ ضَوْءُهَا، وَذَكَرُهُ فِي الْمَهْمُوزِ أَيْضًا وَقَالَ: الْعَبْءُ بِالْفَتْحِ ضِيَاءُ الشَّمْسِ (إِنَّمَا هُوَ) أَيِ: الْمُفْتَخِرُ الْمُتَكَبِّرُ بِالْآبَاءِ لَا يَخْلُو عَنْ أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، فَإِمَّا هُوَ (مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ) :فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَلَى أَحَدٍ ; لِأَنَّ مَدَارَ الْإِيمَانِ عَلَى الْخَاتِمَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (أَوْ فَاجِرٌ) أَيْ: مُنَافِقٌ أَوْ كَافِرٌ (شَقِيٌّ) أَيْ: غَيْرُ سَعِيدٍ، فَهُوَ ذَلِيلٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَالذَّلِيلُ لَا يُنَاسِبُهُ التَّكَبُّرُ، وَلَا يُلَائِمُهُ التَّجَبُّرُ، فَالتَّكَبُّرُ لَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ، فَإِنَّهُ صِفَةٌ خَاصَّةٌ لِلْخَالِقِ، وَلِذَا قَالَ:" «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظْمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ» "،ثُمَّ أَشَارَ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ يَنْتَفِي بِهِ التَّكَبُّرُ عَنِ الْإِنْسَانِ بِقَوْلِهِ: ( «النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» ) أَيْ: فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ أَصْلُهُ التُّرَابُ النَّخْوَةُ وَالتَّجَبُّرُ، أَوْ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ وَاحِدًا، فَالْكُلُّ إِخْوَةٌ، فَلَا وَجْهَ لِلتَّكَبُّرِ ; لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأُمُورِ عَارِضَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا حَقِيقَةً، نَعَمِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَهِيَ مُبْهَمَةٌ، فَالْخَوْفُ أَوْلَى لِلسَّالِكِ مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهَذِهِ الْمَسَالِكِ، هَذَا مَا اخْتَرْنَاهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ خُلَاصَةِ الْمُرَامِ، وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ: فِي ضَمِيرِ (هُوَ) وُجُوهٌ، أَحَدُهَا: أَنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا فَقَوْلُهُ: النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ مُقَدَّمٌ ; لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ وَذَلِكَ تَفْصِيلُهُ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ: النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التِّمْثَالِ أَكْفَاءُ أَبُوهُمْ آدَمُ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ

فَإِنْ يَكُنْ لَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ شَرَفٌ ... يُفَاخِرُونَ بِهِ فَالطِّينُ وَالْمَاءُ

مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ.

وَوَحَّدَ الضَّمِيرَ نَظَرًا إِلَى الْجِنْسِ، أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِنْسَانِ. وَثَانِيهَا: أَنَّهُ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ الْخَبَرُ، كَذَا قَرَّرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الجاثية:24] ،وَقَوْلُهُمْ: هِيَ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا شَاءَتْ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى اسْمِ الْإِشَارَةِ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْمَذْكُورِ السَّابِقِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا، وَبَيَانُهُ أَنَّ قَوْلَهُ: (أَقْوَامٌ) مِنْ بَابِ سَوْقِ الْمَعْلُومِ مَسَاقَ غَيْرِهِ، وَهُمْ قَوْمٌ مَخْصُوصُونَ نَكَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ غَائِبِينَ، ثُمَّ الْتَفَتَ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ: قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وَسُخْطٍ مُتَتَابِعٍ. كَانَ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَفَاخَرُوا بِأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ، كَالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ وَأَضْرَابِهِ حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ: فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت