فهرس الكتاب
بِقُلُوبِهِمْ، وَلا يَرَوْنَ النُّورَ بِعُيُونِهِمْ، فَهُمْ كَالبَهَائِمِ وَالأنْعَامِ السَّارِحَةِ، لاَ تَنْتَفِعُ بِحَوَاسِّهَا إلا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهَا وَبَقَائِهَا، أوْ هُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ وَأكْثَرُ ضَلالاً، لأنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها إذا أنِسَتْ بِهِ، وَإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلاَمَهُ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ. ولأنَّ الدَّوَابَّ تَفْعَلُ مَا خُلِقَتْ لَهُ، إمَّا بِطَبْعِهَا وَإمَّا بِتَسْخِيرِهَا. أمَّا الكَافِرُونَ فِإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللهَ وَيُوَحِّدُ هُ، فَكَفَرُوا بِاللهِ، وَأشْرَكُوا بِهِ فَهُمُ الغَافِلُونَ. [1]
وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان]
انْظُرْ إلى حَالِ الذي جَعَلَ هَوَاهُ إلهَهُ، بأَنْ أطَاعَهُ وبَنَى عليهِ أمرَ دِينهِ، وأعْرَضَ عن استماع الحَقِّ، والحُجَجِ، والبَراهِينِ الواضِحَةِ الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وعظيمِ قُدْرَتِه، واعْجَبْ منْهُ، ولا تَعْبَأْ بِهِ فإِنَّكَ لستَ حَفيظاً عليهِ، وليسَ عَلَيْكَ هُدَاهُ، وإِنّما عَليكَ إبلاغُهُ الرِّسَالَةَ، ثُمّ إِنْ شَاءَ اللهُ هَدَاه، وإِنْ شَاءَ أضَلَّهُ.
هَلْ تَطُنُّ يا محمدُ أنَّ هؤلاءِ المُشرِكينَ يَسمَعُون أو يَعْقِلونَ؟ إنهم في الحَقيقَةِ لا يَسْمعُونَ حقَّ السَّماعِ، ولا يُدْرِكُون حقَّ الإِدْرَاكِ ولا يفْهَمُونَ فَهْما صَحِيحاً ما تَتْلُوه عليْهِمْ مِنَ الآياتِ والمواعظِ الداعِيَةِ إلى الإيمانِ وإلى الخَيْرِ، حَتَّى تَجْتَهِدَ في دَعْوَتِهِمْ، وتَحْفِلَ بِإرشَادِهِمْ، وتذكيرِهِمْ، وتَطْمَعَ في إيمَانِهِمْ، فَهُمْ أَسْوَأُ من الأنْعَامِ السَّارِحَةِ، وأضَلُّ سَبيلاً، لأنَّ الأنْعَامَ السَّارِحَةَ تنقَادُ لصَاحِبِها الذي يَتَعَهَّدُهَا، وتعرفُ مَنْ يُحْسِنُ إليها ومن يُسيءُ، وتطلبُ ما يَنفَعُها، وتَجتنبُ ما يَضرُّها، وتَهتدِي لمَرْعَاها ومَشْرَبِها. أما هؤلاءِ المُشركونَ فإنهمْ لا يَنْقادُونَ لَخَالِقِهِمْ وبارِئِهم، ولا يَعْرِفُونَ إحْسَانَهُ إليهم، ولا يعْرِفُونَ إساءَةَ الشيطانِ وعَدَاوتَهُ لَهُم، وهوَ الذي يزيِّنُ لهمُ الكُفْرَ واتِّباعَ الشَّهَواتِ. [2]
وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1134،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2780،بترقيم الشاملة آليا)