فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 1902

إِن إن مصارع الغابرين حيالهم شاخصة موحية، تتحدث بالعبر، وتنطق بالعظات .. «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ» فيروها فتوحي لهم بالعبرة؟ وتنطق لهم بلسانها البليغ؟ وتحدثهم بما تنطوي عليه من عبر؟ «فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها» فتدرك ما وراء هذه الآثار الدوارس من سنة لا تتخلف ولا تتبدل. «أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها» فتسمع أحاديث الأحياء عن تلك الدور المهدمة والآبار المعطلة والقصور الموحشة؟.أفلم تكن لهم قلوب؟ فإنهم يرون ولا يدركون، ويسمعون ولا يعتبرون «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» !

ويمعن في تحديد مواضع القلوب: «الَّتِي فِي الصُّدُورِ» زيادة في التوكيد، وزيادة في إثبات العمى لتلك القلوب على وجه التحديد! ولو كانت هذه القلوب مبصرة لجاشت بالذكرى، وجاشت بالعبرة، وجنحت إلى الإيمان خشية العاقبة الماثلة في مصارع الغابرين، وهي حولهم كثير .. [1]

وقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة:171]

وَمَثَلُ الذِينَ كَفَرُوا فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الغَيِّ والضَّلاَلِ، وَالجَهْلِ وَتَقْلِيدِ الآبَاءِ والرُّؤَسَاءِ، كَمَثَلِ الدَّوَابِّ السَّارِحَةِ التِي لاَ تَفْقَهُ شَيْئاً مِمَّا يُقَالُ لَهَا، فَإِذَا نَعَقَ فِيها رَاعِيها فَإِنَّها تَسْمَعُ صَوْتَهُ، وَلكِنَّها لاَ تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلاَ تَفْهَمُهُ، فَهُمْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الحَقِّ، وَبُكْمٌ لاَ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، وَعُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ، لاَ يَعْقِلُونَ شَيئاً وَلاَ يَفْهَمُونَ. [2]

وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) } [الملك:10،11]

وَقَالُوا مُبْدِينَ أَسَفَهُمْ وَنَدَمَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، فِي وَقْتٍ لاَ يَنْفَعُ فِيهِ النَّدَمُ: لَوْ كَانَتْ لَنَا آذَانٌ تَسْمَعُ، أَوْ عُقُولٌ تُدْرِكُ، وَنَعِي بِهَا مَا أَنْزَلَ اللهُ، لَمَا كُنَّا أَقْمْنَا عَلَى الكُفْرِ بِاللهِ، وَالاغْتِرَارِ بِالدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَلَمَا صِرْنَا إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ اليَوْمَ مِنَ الخَزْيِ والعَذَابِ الأَلِيمِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3141)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:178،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت