فهرس الكتاب
وَمَعْنَى يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِهِ أَيْ يُقَاتَلُ مَعَهُ الْكُفَّارُ وَالْبُغَاةُ وَالْخَوَارِجُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ مُطْلَقًا" [1] "
فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْخِلَافَةِ وَالنِّيَابَةِ قِيلَ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ لَا يَعْرِفُونَ الْإِمَارَةَ وَلَا يَدِينُونَ لِغَيْرِ رُؤَسَاءِ قَبَائِلِهِمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ وَوَلِيَ عَلَيْهِمُ الْأُمَرَاءُ أَنْكَرَتْهُ نُفُوسُهُمْ وَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنَ الطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُمْ - صلى الله عليه وسلم - لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ طَاعَتَهُمْ مَرْبُوطَةٌ بِطَاعَتِهِ وَعِصْيَانَهُمْ مَنُوطَةٌ بِعِصْيَانِهِ لِيُطِيعُوا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمَرَاءِ
(فَإِنَّمَا الْإِمَامُ) أَيِ الْخَلِيفَةُ أَوْ أَمِيرُهُ (جُنَّةٌ) بِضَمِّ الْجِيمِ أَيْ كَالتُّرْسِ فَهُوَ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ (يُقَاتَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مِنْ وَرَاءِهِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَيُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِكَوْنِهِ جُنَّةً أَيْ يَكُونُ الْأَمِيرُ فِي الْحَرْبِ قُدَّامَ الْقَوْمِ لِيَسْتَظْهِرُوا بِهِ وَيُقَاتِلُوا بِقُوَّتِهِ كَالتُّرْسِ لِلْمُتَتَرِّسِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ; لِأَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ مَلْجَأً لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَوَائِجِهِمْ دَائِمًا، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ (يُتَّقَى بِهِ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ (يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِهِ) ،وَالْبَيَانُ مَعَ الْمُبَيَّنِ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: «وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ» .قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ هُوَ كَالسَّاتِرِ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ، وَيَمْنَعُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَيَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ، وَيَتَّقِيهِ النَّاسُ وَيَخَافُونَ سَطْوَتَهُ، وَمَعْنَى (يُقَاتَلُ) وَ (مِنْ وَرَاءِهِ) أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ الْكُفَّارَ وَالْبُغَاةَ وَالْخَوَارِجَ وَسَائِرَ أَهْلِ الْفَسَادِ وَيُنْصَرَ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ أَمَرَ) أَيِ الْإِمَامُ (بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ) أَيْ قَضَى بِحُكْمِ اللَّهِ (فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا) أَيْ عَظِيمًا (وَإِنْ قَالَ) أَيْ فِي الْأَمْرِ وَالْحُكْمِ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّقْوَى وَالْعَدْلِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ (قَالَ) أَيْ حَكَمَ، يُقَالُ: قَالَ الرَّجُلُ إِذَا حَكَمَ وَمِنْهُ الْقِيلُ وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ قَوْلُهُ وَحُكْمُهُ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيْ أَحَبَّهُ وَأَخَذَ بِهِ إِيثَارًا لَهُ وَمَيْلًا إِلَيْهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِكِ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْقَدَرِ، وَمَا أَشْبَهَهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيُؤْثِرُهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ أَمَرَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ تَقْوَى وَلَا عَدْلٌ، بِدَلِيلٍ أَنَّهُ جُعِلَ قَسِيمًا فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقَوْلُ الْمُطْلَقُ أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَرَاهُ وَيُؤْثِرُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ يَقُولُ بِالْقَدَرِ، أَيْ وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ وَآثَرَهُ قَبُولًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِقَسِيمِهِ بِقُطْرَيْهِ وَمَا سَدَّ الطُّرُقَ الْمُخَالِفَةَ الْمُؤَدِّيَةَ إِلَى هَيْجِ الْفِتَنِ الْمُرْدِيَةِ (فَإِنَّ عَلَيْهِ) أَيْ وِزْرًا ثَقِيلًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَنِيعِهِ ذَلِكَ فَمِنْهُ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ
(1) - شرح النووي على مسلم (12/ 230)