فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 1902

وقال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124]

وَاذكُرْ يَا مُحَمَّدُ لأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ اختِبَارَ اللهِ لإِبراهِيمَ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّواهِي، فَقَامَ بِها عَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ، فَجَعَلَهُ اللهُ للنَّاسِ قُدْوَةً وَإِمَاماً. فَدَعَا إِبْرَاهِيمَ النَّاسَ إِلَى تَوحِيدِ اللهِ، وَالبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ. وَسَأَلَ إِبراهِيمُ رَبَّهُ أَنْ تَكُونَ الإِمَامَةُ في ذُرِّيَّتِهِ، فَأَجَابَهُ اللهُ، جَلَّ شَأْنُهُ، إِلى مَا سَأَلَ، وَلكِنَّهُ قَالَ لَهُ: إِنَّ عَهْدَهُ سُْبْحَانَهُ لا يَنَالُ الظَّالِمِينَ، وَلِذلِكَ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يََكُونَ الظَّالِمُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ. [1]

(قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي قال واجعل من ذريتى أئمة يقتدى بهم، وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة، فتمنى لذريته الخير في أجسامهم وعقولهم وأخلاقهم، ولا غرو فالإنسان يرجو أن يكون ابنه أحسن منه في جميع ذلك. (قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي قال أجبتك إلى ما طلبت، وسأجعل من ذريتك أئمة للناس، ولكن عهدى بالإمامة لا يناله الظالمون، إذ هم لا يصلحون أن يكونوا قدوة للناس.

وفي ذكر الظلم مانعا من الإمامة تنفير لذرية إبراهيم منه وتبغيض لهم فيه، ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته، كيلا يقعوا فيه ويحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، كما هو تنفير من الظالمين وعدم مخالطتهم.

فالإمامة الصالحة لا تكون إلا لذوى النفوس الفاضلة التي تسوق صاحبها إلى خير العمل، وتزعه عن الشرور والآثام، ولا حظّ للظالمين في شاء من هذا.

والخلاصة- إن الإمامة والنبوة لا ينالها من دنّس نفسه ودسّاها بالظلم وقبيح الخلال، وإنما ينالها من شرفت خلاله، وكملت أخلاقه، وصفت نفسه، لأن أهم أعمال الإمام رفع الظلم والفساد حتى ينتظم العمران، وتسود السكينة بين الناس. [2]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:131،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - تفسير المراغي (1/ 209)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت