فهرس الكتاب
وأمر الله تعالى عباده بالاستعانة على أمر دينهم ودنياهم بالصبر والصلاة، فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:45،46]
يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِعَانَةِ عَلَى أَدَاءِ التَّكَالِيفِ، وَمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، بِالصَّبْرِ عَلَى الفَرَائِضِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنِ المَعَاصِي، وَبِالصَّلاةِ، لَعَلَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَا يُؤمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَيُنَبِّهُهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ القِيَامَ بِهذِهِ الوَصِيَّةِ التِي يَطْلبُ مِنَ النَّاسِ الأَخْذَ بِهَا مِنْ صَبْرٍ وَصَلاةٍ ... أَمْرٌ شَاقٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ، إِلاَّ النُّفُوسَ المُؤْمِنَةَ الخَاشِعَةَ المُسْتَكِينَةَ لِطَاعَةِ اللهِ، المُتَذَلِّلَةَ مِنْ مَخَافَتِهِ.
وَهؤُلاءِ الخَاشِعُونَ، المُطْمَئِنَّةُ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ، يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّهُمْ سَيُحْشَرُونَ إَلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ سَيُعْرَضُونَ عَلَيهِ، وَأَنَّ أُمُورَهُمْ سَتَرْجِعُ إِلى مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِيَحْكُمَ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ. وَإِنَّ إِيمَانَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ إِلى اللهِ هُوَ الذِي يُسهِّلُ عَلَيهِمْ طَاعَةَ اللهِ، وَتَرْكَ مُحَرَّمَاتِهِ. [1]
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ} [البقرة:45] اسْتَعِينُوا عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِي الَّذِي عَاهَدْتُمُونِي فِي كِتَابِكُمْ، مِنْ طَاعَتِي وَاتِّبَاعِ أَمْرِي، وَتَرْكِ مَا تَهْوَوْنَهُ مِنَ الرِّيَاسَةِ وَحُبِّ الدُّنْيَا إِلَى مَا تَكْرَهُونَهُ مِنَ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِي، وَاتِّبَاعِ رَسُولِي مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم -،بِالصَّبِرِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى الصَّبْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الصَّوْمُ، وَالصَّوْمُ بَعْضُ مَعَانِي الصَّبْرِ عِنْدَنَا. بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَهُمْ بِالصَّبِرِ عَلَى مَا كَرِهَتْهُ نُفُوسُهُمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَتَرْكِ مَعَاصِيهِ وَأَصْلُ الصَّبْرِ: مَنْعُ النَّفْسِ مَحَابَّهَا وَكَفُّهَا عَنْ هَوَاهَا وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلصَّابِرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ: صَابِرٌ، لِكَفِّهِ نَفْسَهُ عَنِ الْجَزَعِ؛ وَقِيلَ لِشَهْرِ رَمَضَانَ: شَهْرُ الصَّبْرِ، لِصَبْرِ صَائِمِهِ عَنِ الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ نَهَارًا، وَصَبْرُهُ إِيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ: حَبْسُهُ لَهُمْ، وَكَفُّهُ إِيَّاهُمْ عَنْهُ، كَمَا يُصْبَرُ الرَّجُلُ الْمُسِيءُ لِلْقَتْلِ فَتَحْبِسُهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْتُلَهُ. وَلِذَلِكَ قِيلَ: قَتَلَ فُلَانٌ فُلَانًا صَبْرًا، يَعْنِي بِهِ حَبَسَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَهُ، فَالْمَقْتُولُ مَصْبُورٌ، وَالْقَاتِلُ صَابِرٌ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا فِيمَا مَضَى فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: قَدْ عَلِمْنَا مَعْنَى الْأَمْرِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبِرِ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:52،بترقيم الشاملة آليا)