فهرس الكتاب
قَالَ اللَّهُ وَالرَّسُولُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ نَصًّا فِيهِمَا، وَلَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُدَّ قِيَاسًا عَلَى أَحَدِهِمَا. وسَمِعْتُ إِسْحَاقَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ { «وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» } [النساء:59] :قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُ الْآيَةِ عَلَى أُولِي الْعِلْمِ، وَعَلَى أُمَرَاءِ السَّرَايَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ يُفَسِّرُهَا الْعُلَمَاءُ عَلَى أَوْجُهٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ" [1] ."
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله"ومِن بَدِيع الجَواب قَول بَعض التّابِعِينَ لِبَعضِ الأُمَراء مِن بَنِي أُمَيَّة لَمّا قالَ لَهُ: أَلَيسَ الله أَمَرَكُم أَن تُطِيعُونا فِي قَولُه:"وأُولِي الأَمر مِنكُم"فَقالَ لَهُ: أَلَيسَ قَد نُزِعَت عَنكُم، يَعنِي الطّاعَة، إِذا خالَفتُم الحَقّ بِقَولِهِ:"فَإِن تَنازَعتُم فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرَّسُول إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ". [2] "
فهذا هو الطريق الشرعي عند التنازع، وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الإمام إذا خالفه أغلب أهل الشورى فيقدم رأي الأغلبية منعا لاستبداد الحكام وظلمهم، فهو قول لا أصل له، وإنما يمنع ظلم الحكام واستبدادهم بالطرق الشرعية الكافية عند تنفيذها أن تضبط أعمال الجميع بما يوافق شرع الله تعالى.
كما أن القول بأن الإمام يختار من الأقوال ما يراه أشبه بالكتاب والسنة، وتقتضيه الأصول والقواعد الشرعية العامة ولو خالفه الأغلبية هو الذي يتوافق مع كون الإمام من الأتقياء العلماء المجتهدين الذي توفرت فيه شروط الإمامة، ومن قال يؤخذ بقول الأغلبية فلعله بناه على ما يشاهده من جور الحكام وظلمهم، ولو قلنا بهذا القول مع وجود الإمام العادل المجتهد فقد عطلنا طاعته بالمعروف وفي هذا مخالفة لكتاب الله ولسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولسنة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.
قلت:"المسألة إذا كانت اجتهادية فقول الجمهور هو الأقوى بيقين، ويد الله مع الجماعة، ومع السواد الأعظم، وقواعد الشريعة لا تمنع من مثل هذا القول، بل هو الأوفق للشريعة وروحها، وليس كل مسألة يتضح فيها شرع الله تعالى بشكل جليٍّ، كما أن ردَّه لهذا القول فيه مغالطة كبيرة، فطالما قد اخترنا أعضاء مجلس السورى من خيرة أهل العلم والخبرة"
(1) - السنة للمروزي (ص:7)
(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 111)