فهرس الكتاب
"وقد انتصر لهذا القول بعض الكتاب المعاصرين، فرأوا أن نتيجة الشورى ملزمة لولي الأمر إذا أيدها أكثر أهل الشورى ومن هؤلاء عبد القادر عودة، رحمه الله، ولعل أقوى ما استدلوا به، استجابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه الذين أشاروا عليه بقتال المشركين خارج المدينة في غزوة أحد، وكان رأيه - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى في المدينة للدفاع عنها، إذا هاجمه المشركون فيها."
ويأتى احتجاجهم بهذه الوقعة من وجهين:
الوجه الأول: أن أكثر الصحابة، رضي الله عنهم، كانوا يرون الخروج إلى أحد، والأقل كانوا يرون البقاء في المدينة، وعلى رأس هذا الأقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثاني: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -،تنازل عن رأيه لرأي الأكثر فخرج، وهو مبني على ثبوت الوجه الأول.
قال عبد القادر عودة رحمه الله:"ولقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه السنة وعمل بها في حياته، واتبعها أصحابه بعد وفاته: عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذه السنة، لما علم باستعداد قريش لغزوة أحد، وأنهم أقبلوا إلى المدينة ونزلوا قريباً من جبل أحد، فجمع عليه السلام أصحابه، واستشارهم أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟"
وكان رأيه أن لا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله ابن أبي وبعض الصحابة، ولكن جماعة الصحابة أشاروا بالخروج وألحوا عليه في ذلك.
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،أول من وضع رأي الأكثرية موضع التنفيذ، إذ نهض من المجلس، فدخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم ليقود الأقلية والأكثرية، إلى لقاء العدو خارج المدينة، وقد سارع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتنفيذ رأى الأغلبية، بالرغم من مخالفة رأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث، فيما بعد، أنه كان الرأي الأحق بالاتباع". [1] "
"الأخذ برأي الأكثرية عند ترجيح المواقف: كما في يوم أحد، وان خالف رأيهم القيادة وعليه إذا كانت الشورى في الأمور التشريعية فالحجة لقوة الدليل، وإذا كانت الشورى في الأمور الفنية فالحجة لأهل الخبرة والاختصاص، أما في طلب الرأي الذي يرشد إلى القيام بعمل من"
(1) - الشورى بين الديمقراطية والديكتاتورية (ص:66) و [التشريع الجنائي الإسلامي (1/ 38) ] .