فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 1902

أَسْتَعِينَ بِكَ عَلَى أَمَانَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَسْتَ عَلَى دِينِهِمْ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَعْتَقَنِي وَأَنَا نَصْرَانِيُّ وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ"رواه ابن سعد [1] ."

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ» رواه أبو داود [2]

وبوب عليه النووي رحمه الله في رياض الصالحين"باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما بِسَيِّد ونحوه" [3] ،فإذا كان توقير المنافق بكلمة سيد يسخط الله تعالى، فكيف إذا ساد بالفعل وأصبح وزيرا أو أميرا على المسلمين، فلا شك أن هذا أكبر ضررا على المسلمين، وأعظم جرما من مجرد القول.

(1) - الطبقات الكبرى ط دار صادر (6/ 159) حسن

(2) - سنن أبي داود (4/ 295) (4977) صحيح

«لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ» ):مَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُؤْمِنِ: سَيِّدٌ، وَهُوَ لَا يُنَافِي مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مَرْفُوعًا" «السَّيِّدُ اللَّهُ» "؛لِأَنَّ فِي الْحَقِيقَةِ لَا سِيَادَةَ إِلَّا لَهُ وَمَا سِوَاهُ مَمْلُوكُهُ. (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ أَوِ الْمُنَافِقَ (إِنْ يَكُ سَيِّدًا) أَيْ: سَيِّدَ قَوْمٍ أَوْ صَاحِبَ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ (أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ) أَيْ: أَغْضَبْتُمُوهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ، فَكَيْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا بِأَحَدٍ مِنَ الْمَعَانِي، فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَكُونُ كَذِبًا وَنِفَاقًا وِفَاقًا. وَفِي النِّهَايَةِ: فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ سَيِّدَكُمْ وَهُوَ مُنَافِقٌ، فَحَالُكُمْ دُونَ حَالِهِ وَاللَّهُ لَا يَرْضَى لَكُمْ ذَلِكَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: إِنْ يَكُ سَيِّدًا لَكُمْ فَتَجِبُ عَلَيْكُمْ طَاعَتُهُ، فَإِذَا أَطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ، أَوْ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ، فَوَضَعَ الْكَوْنَ مَوْضِعَ الْقَوْلِ تَحْقِيقًا لَهُ. قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ النَّاسِ لِغَيْرِ الْمِلَّةِ كَالْحُكَمَاءِ وَالْأَطِبَّاءِ مَوْلَانَا دَاخِلٌ فِي هَذَا النَّهْيِ وَالْوَعِيدِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ؛ لِوُرُودِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَوْلَانَا فِي التَّنْزِيلِ دُونَ السَّيِّدِ. قُلْتُ: إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُهُ، فَلَا شَكَّ فِي عَدَمِ جَوَازِهِ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ أَحَدُ مَعَانِي الْمَوْلَى مِمَّا سَبَقَ فَلَا يَبْعُدُ جَوَازُهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَالْمَخْلَصُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْرِيَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي تَجْوِيزِ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [الأحزاب:5] ،أَيْ: فِي الْمُسْلِمِينَ وَمَوَالِيكُمْ فِي غَيْرِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَوْلَى وَالسَّيِّدَ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَجَوَازُ إِطْلَاقِهِ وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِهِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنَ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَرِدْ نَهْيٌ عَنْ إِطْلَاقِ الْمَوْلَى عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ، فَيَجُوزُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ فِيمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، «وَمَا رَأَىهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3009) "

(3) - رياض الصالحين ط الرسالة (ص:480)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت