فهرس الكتاب
أَيِ: الْمَاشِيَةُ الْآكِلَةُ الْمُفْرِطَةُ أَكْلَهَا (حَتَّى امْتَدَّتْ) أَيِ: امْتَلَأَتْ وَشَبِعَتْ (خَاصِرَتَاهَا) أَيْ: جَنْبَاهَا، وَعَبَّرَ عَنِ الشِّبَعِ بِامْتِدَادِهِمَا لِأَنَّهُمَا يَمْتَدَّانِ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْبَطْنِ (اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ) أَيْ: ذَاتَهَا وَقُرْصَهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا بَرَكَتْ مُسْتَقْبِلَةً إِلَيْهَا تَسْتَمْرِئُ بِذَلِكَ مَا أَكَلَتْ. وَقَالَ شَارِحٌ أَيْ: تَرَكَتِ الْأَكْلَ وَلَمْ تَأْكُلْ مَا فَوْقَ طَاقَةِ كِرْشِهَا حَتَّى تَقْتُلَهَا كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَتَوَجَّهَتْ إِلَى مَسْقَطِ ضَوْئِهَا وَاسْتَرَاحَتْ فِيهِ. (فَثَلَطَتْ) أَيْ: أَلْقَتْ رَوْثَهَا رَقِيقًا سَهْلًا (وَبَالَتْ) أَيْ: فَزَالَ عَنْهَا الْحَبَطُ (ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ) أَيْ: ثُمَّ إِذَا حَصَلَ لَهَا خِفَّةٌ وَاحْتَاجَتْ إِلَى الْأَكْلِ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، كَذَلِكَ مَنْ أَخْرَجَ مَا فِي الْمَالِ حَتَّى الْحُقُوقِ، وَعَالَجَ نَفْسَهُ بِالِاحْتِمَاءِ عَنْ مَسَاوِئِ الْأَغْنِيَاءِ، وَعَرَفَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ كَلَامَ الْحُكَمَاءِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَيَكُونُ الْمَالُ حِينَئِذٍ خَيْرًا لَهُ، لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ لَهُ فِي تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْخَطَرُ فِيهِ كَثِيرًا بِحَيْثُ يَضُرُّ السَّالِكِينَ بِحَسَبِ الْأَغْلَبِ اخْتَارَ اللَّهُ لِأَكْثَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ طَرِيقَ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ. وَذَهَبَ الصُّوفِيَّةُ أَجْمَعُهُمْ، وَالْعُلَمَاءُ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ هَذَا مُجْمَلُ الْكَلَامِ وَمَرَامُ الْمَقَامِ.
وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ لُغَةً وَحَلًّا مِنْ جِهَةِ الْمَبْنَى وَالْمَعْنَى، فَفِي النِّهَايَةِ: الْحَبَطُ بِالتَّحْرِيكَ الْهَلَاكُ، يُقَالُ: حَبِطَتِ الدَّابَّةُ تُحْبِطُ حَبَطًا بِالتَّحْرِيكَ إِذَا أَصَابَتْ مَرْعًى طَيِّبًا، فَأَفْرَطَتْ فِي الْأَكْلِ حَتَّى تَنْتَفِخَ فَتَمُوتَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَحْرَارَ الْعُشْبِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهُ الْمَاشِيَةُ، وَيُلِمُّ أَيْ: يَقَرُبُ وَيَدْنُو مِنَ الْهَلَاكِ، وَالْخَضِرُ بِكَسْرِ الضَّادِ نَوْعٌ مِنَ الْبُقُولِ لَيْسَ مِنْ أَحْرَارِهَا وَجَيِّدِهَا وَإِنَّمَا تَرْعَاهَا الْمَوَاشِي إِذَا لَمْ تَجِدْ غَيْرَهَا فَلَا تُكْثِرُ مِنْ أَكْلِهَا وَلَا تَسْتَمْرِئُهَا.
قَالَ الْقَاضِي: آكِلَةَ نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ يَقْتُلُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ آكِلَهُ إِلَّا آكِلَ الْخَضِرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُفَرَّغُ مِنَ الْمُثْبَتِ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ فِيهِ، وَنَظِيرُهُ قَرَأْتُ إِلَّا يَوْمَ كَذَا. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُظْهِرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ لِوُقُوعِهِ فِي الْكَلَامِ الْمُثْبَتِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْكَشَّافِ إِلَّا بِالتَّأْوِيلِ فِيهِ لِأَنَّ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا بَعْضُ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ لِدَلَالَةِ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ وَالتَّقْسِيمِ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا آكِلَ الْخَضِرِ غَيْرَ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا، يَشْهَدُ لَهُ مَا فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَفِيهِ مَثَلَانِ، ضُرِبَ أَحَدُهُمَا لِلْمُفْرِطِ فِي جَمْعِ الدُّنْيَا وَمَنْعِهَا مِنْ حَقِّهَا، وَضُرِبَ الْآخَرُ لِلْمُقْتَصِدِ فِي