فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 1902

أَخْذِهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَأَنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا فَهُوَ مَثَلٌ لِلْمُفْرِطِ الَّذِي يَأْخُذُهَا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبِيعَ يُنْبِتُ أَحْرَارَ الْعُشْبِ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهَا الْمَاشِيَةُ، حَتَّى يَنْتَفِخَ بُطُونُهَا لِمَا قَدْ جَاوَزَتْ حَدَّ الِاحْتِمَالِ فَتَنْفَتِقُ أَمْعَاؤُهَا فَتَهْلِكُ، كَذَلِكَ الَّذِي يَجْمَعُ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا، وَيَمْنَعُ ذَا الْحَقِّ حَقَّهُ يَهْلِكُ فِي الْآخِرَةِ بِدُخُولِ النَّارِ، وَأَمَّا مَثَلُ الْمُقْتَصِدِ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ"وَذَلِكَ أَنَّ الْخَضِرَ لَيْسَتْ مِنْ أَحْرَارِ الْبُقُولِ الَّتِي يُنْبِتُهَا الرَّبِيعُ فَتَسْتَكْثِرُ مِنْهَا الْمَاشِيَةُ، وَلَكِنَّهَا مِنْ كَلَأِ الصَّيْفِيِّ الَّتِي تَرْعَاهَا الْمَوَاشِي بَعْدَ هَشِيمِ الْبُقُولِ شَيْئًا فَشَيْئًا مِنْ غَيْرِ اسْتِكْثَارٍ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِمَنْ يَقْتَصِدُ فِي أَخْذِ الدُّنْيَا، وَلَا يَحْمِلُهُ الْحِرْصُ عَلَى أَخْذِهَا فَهُوَ يَنْجُو مِنْ وَبَالِهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، إِنَّ الْمُقْتَصِدَ الْمَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ وَإِنْ جَاوَزَ حَدَّ الِاقْتِصَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَقَرُبَ مِنَ السَّرَفِ الْمَذْمُومِ لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ الْمَرْكُوزَةِ فِي الْإِنْسَانِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ خَاصِرَتُهَا، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ قَرِيبٍ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ الْمَذْمُومِ، وَلَا يَلْبَثُ عَلَيْهِ، بَلْ يَلْتَجِئُ إِلَى الدَّلَائِلِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ الدَّافِعَةِ لِلْحِرْصِ الْمُهْلِكِ الْقَامِعَةِ لَهُ، وَهُوَ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، فَحَذَفَ مَا حَذَفَ مِنَ الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى أَنَّ الْمَحْمُودَ الْعَاقِبَةِ وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ حَدِّ الِاقْتِصَادِ وَالْقُرْبِ مِنْ حَدِّ الْإِسْرَافِ مَرَّةً بَعْدَ أُولَى، وَثَانِيَةً بَعْدَ أُخْرَى لِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ وَقُوَّتِهَا فِيهِ، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَبْعُدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْحَدِّ الْمَذْمُومِ الَّذِي هُوَ الْإِسْرَافُ، وَيَقْرُبُ مِنَ الِاقْتِصَادِ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْمَحْمُودُ.

قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَعَلَى هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ لَكِنْ يَجِبُ التَّأْوِيلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ شَيْئًا يَقْتُلُ آكِلَهُ إِلَّا الْخَضِرَ مِنْهُ إِذَا اقْتَصَدَ فِيهِ آكِلُهُ وَتَحَرَّى دَفْعَ مَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْهَلَاكِ. (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ) أَيِ: الْمَحْسُوسَ فِي الْبَالِ (خَضِرَةٌ) :بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ (حُلْوَةٌ) :بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ: حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ لِزِيَادَةِ الْمَذَاقِ وَالتَّأْنِيثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ هَذَا الْمَالَ عِبَارَةٌ عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، إِذِ التَّقْدِيرُ أَنَّ زَهْرَةَ هَذَا الْمَالِ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَذَلِكَ نَرْوِيهِ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ عَلَى التَّأْنِيثِ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا خَضِرٌ حُلْوٌ، وَالْوَجْهُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا أُنِّثَ عَلَى مَعْنَى تَأْنِيثِ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَيْ: إِنَّ هَذَا الْمَالَ شَيْءٌ كَالْخَضِرِةِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ كَالْبَقْلَةِ الْخَضِرَةِ، أَوْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت