فهرس الكتاب
يَكُونُ عَلَى مَعْنَى فَائِدَةِ الْمَالِ أَيْ: أَنَّ الْحَيَاةَ بِهِ أَوِ الْمَعِيشَةَ خَضِرَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنِ الْمَالِ بِالدُّنْيَا، لِأَنَّهُ أَعْظَمُ زِينَتَيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف:46] فَيُوَافِقُ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ:" «الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ» .."عَلَى مَا مَرَّ فِي الْبَابِ السَّابِقِ اهـ.
وَالْمَعْنَى أَنَّ هَذَا الْمَالَ مُشَبَّهٌ بِالْمَرْعَى الْمُشْتَهَاةِ لِلْأَنْهَامِ (فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) أَيْ: بِقَدْرِ احْتِيَاجِهِ مِنْ طَرِيقِ حِلِّهِ (وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ) أَيْ: فِي مَحَلِّهِ الْوَاجِبِ أَوْ نَدَبَهُ (فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ) أَيْ: مَا يُعَانُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُدْفَعُ بِهِ ضَرُورَاتُ الْمُؤْنَةِ، إِذِ الْمُرَادُ بِالْمَعُونَةِ الْوَصْفُ مُبَالَغَةً أَيْ: فَنِعْمَ الْمُعِينُ عَلَى الدِّينِ. (هُوَ) أَيِ: الْمَالُ، وَنَظِيرُ مَا وَرَدَ: نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ، (وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ وَجَمَعَهُ مِنْ حَرَامٍ وَلَمْ يَصْرِفْهُ فِي مَرْضَاةِ رَبِّهِ (كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ) :فَيَقَعُ فِي الدَّاءِ الْعُضَالِ وَالْوَرْطَةِ الْمُهْلِكَةِ لِغَلَبَةِ الْحِرْصِ كَالَّذِي بِهِ جُوعُ الْبَقَرِ، وَكَالْمَرِيضِ الَّذِي لَهُ الِاسْتِسْقَاءُ حَيْثُ مَا يُرْوَى، وَكُلَّمَا يَشْرَبُ يَزِيدُ عَطَشًا وَانْتِفَاخًا (وَيَكُونُ) أَيِ: الْمَالُ (شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: حُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ يَشْهَدُ عَلَى حِرْصِهِ وَإِسْرَافِهِ، وَأَنَّهُ أَنْفَقَهُ فِيمَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ لِعِبَادِ اللَّهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِثَالُ الْمَالِ مِثَالُ الْحَيَّةِ الَّتِي فِيهَا تِرْيَاقٌ نَاقِعٌ وَسُمٌّ نَافِعٌ، فَإِنْ أَصَابَهَا الْمُعَزِّمُ الَّذِي يَعُودُ وَجْهُ الِاحْتِرَازِ عَنْ شَرِّهَا وَطَرِيقِ اسْتِخْرَاجِ تِرْيَاقِهَا كَانَتْ نِعْمَةً، وَإِنْ أَصَابَهَا السَّوَادِيُّ الْغَبِيُّ فَهِيَ عَلَيْهِ بَلَاءٌ مُهْلِكٌ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَهُ الْخَوَاجَةُ عُبَيْدُ اللَّهِ النَّقْشَبَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ، فَكُلُّ مَنْ يَعْرِفُ رُقْيَتَهَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا، وَإِلَّا فَلَا. فَقِيلَ وَمَا رُقْيَتُهَا؟ فَقَالَ: أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ يَأْخُذُهَا وَفِي أَيْنَ يَصْرِفُهَا. [1]
وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَة، قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ جِلْدِهِ وَنَشَاطِهِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ: لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ؟،فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3230)