فهرس الكتاب

الصفحة 920 من 1902

فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وَمُفَاخَرَةً فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» رواه الطبراني [1] .

ولا ينافي الزهد في الدنيا السعي في الكسب الحلال والتوسع في التجارة والقيام بالمشاريع التجارية الكبيرة إذا ما نوى العبد في تجارته نصرة دين الله والجهاد بالمال في سبيل الله، والإحسان إلى الناس، وإطعام المساكين، والنفقة على من يعول من غير إسراف أو مخيلة، وأما التكاثر المذموم من الدنيا فهو ما ألهى صاحبه عن طاعة الله، وأدى به إلى الغفلة والركون إلى الدنيا، كما قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) } [التكاثر:1 - 8] .

شَغَلَكُمُ التَّفَاخُرُ بِكَثْرَةِ الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَالأَنْصَارِ والأَشْيَاعِ عَنْ طَلَبِ الآخِرَةِ، وَالعَمَلِ لَهَا. وَمَا زَالَ هَذَا حَالُكُمْ حَتَّى هَلَكْتُمْ، وَصِرْتُمْ مِنْ أَهْلِ القُبُورِ. كَفُّوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّبَاهِي، وَالتَّفَاخُرِ، وَفِعْلِ المُنْكَرَاتِ، وَتَرْكِ طَاعَةِ اللهِ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَكَّدَ اللهُ تَعَالَى زَجْرَهُ لِهَؤُلاَءِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَهَدَّدَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ. فَكُفُّوا عَمّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَغْرِيرٍ بِالنَّفْسِ، فَإِنَّكُمْ لَوْ تَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ أَمْرِكُمْ، وَعَاقِبَتَهُ لَشَغَلَكُمْ ذَلِكَ عَنِ التَّكَاثُرِ بِالأَوْلاَدِ وَالأَمْوَالِ، وَلَصَرفَكُمْ إِلَى الاهْتِمَامِ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ. فَإِذَا اسْتَمَرَّ بِكُمُ الحَالُ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَتَكُونُنَّ فِي الآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَتَرَوُنَّهَا بِأَعْيُنِكُمْ، فَاسْتَحْضِرُوا صُورَةَ عَذَابِهَا فِي أَذْهَانِكُمْ لِتَعِظَكُمْ، وَتُنَبِّهَكُمْ إِلَى عَمَلِ مَا فِيهِ خَيْرٌ لَكُمْ. وَلَتَرَوُنَّهَا رُؤْيَةً هِيَ اليَقِينُ بِعَينِهِ، لاَ شَكَّ فِيهِ، وَلاَ شُبْهَةَ وَلاَ لبسَ. وَهَذَا النَّعِيمُ الذِي تَتَفَاخَرُونَ بِهِ، وَتَعُدًُّونَهُ سَبَباً مِنْ أَسْبَابِ التَّبَاهِي، سَتُسْأَلُونَ عَنْهُ مَاذَا صَنَعْتُمْ بِهِ؟ وَهَلْ أَدَّيْتُمْ حَقَّ اللهِ فِيهِ؟ فَإِذَا كُنْتُمْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، كَانَ هَذَا النَّعِيمُ لَكُمْ غَايَةَ الشَّقَاءِ فِي الآخِرَةِ. [2]

(1) - المعجم الكبير للطبراني (19/ 129) (282) صحيح

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:6046،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت