فهرس الكتاب
أَخَذَ رُكُونًا إِلَى أَنَّهُ غَير مُلتَزِم بِخِلافِ الَّذِي يَأخُذ فَإِنَّهُ يَكُون مُستَشعِرًا بِأَنَّ العَمَل واجِب عَلَيهِ فَيَجِدّ جِدَّه فِيها.
وقالَ ابن التِّين: وفِي هَذا الحَدِيث كَراهَة أَخذ الرِّزق عَلَى القَضاء مَعَ الاستِغناء وأَنَّ المال طَيِّبًا.
كَذا قالَ: قالَ وفِيهِ جَواز الصَّدَقَة بِما لَم يُقبَض إِذا كانَ لِلمُتَصَدِّقِ واجِبًا، ولَكِنَّ قَولُه:"خُذهُ فَتَمَوَّلهُ وتَصَدَّق بِهِ"يَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّصَدُّق بِهِ إِنَّما يَكُون بَعد القَبض، لأَنَّ المال إِذا مَلَكَهُ الإِنسان وتَصَدَّقَ بِهِ طَيِّبَة بِهِ نَفسه كانَ أَفضَل مِن تَصَدُّقه بِهِ قَبل قَبضه، لأَنَّ الَّذِي يَحصُل بِيَدِهِ هُو أَحرَص عَلَيهِ مِمّا لَم يَدخُل فِي يَده، فَإِن استَوت عِند أَحَد الحالانِ فَمَرتَبَته أَعلَى، ولِذَلِكَ أَمَرَهُ بِأَخذِهِ وبَيَّنَ لَهُ جَواز تَمَوُّله إِن أَحَبَّ أَو التَّصَدُّق بِهِ. قالَ: وذَهَبَ بَعض الصُّوفِيَّة إِلَى أَنَّ المال إِذا جاءَ بِغَيرِ سُؤال فَلَم يَقبَلهُ فَإِنَّ الرّادّ لَهُ يُعاقَب بِحِرمانِ العَطاء.
وقالَ القُرطُبِيّ فِي"المُفهِم"فِيهِ ذَمّ التَّطَلُّع إِلَى ما فِي أَيدِي الأَغنِياء والتَّشَوُّف إِلَى فُضُوله وأَخذه مِنهُم، وهِيَ حالَة مَذمُومَة تَدُلّ عَلَى شِدَّة الرَّغبَة فِي الدُّنيا والرُّكُون إِلَى التَّوسُّع فِيها، فَنَهَى الشّارِع عَن الأَخذ عَلَى هَذِهِ الصُّورَة المَذمُومَة قَمعًا لِلنَّفسِ ومُخالَفَة لَها فِي هَواها انتَهَى." [1] "
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ بْنَ شَدَّادٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ، فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلًا، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ، أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا، أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً، وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ"رواه أحمد [2]
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنْتَ فِي مَجْلِسٍ فِيهِ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ وَعَمْرُو بْنُ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ، فَسَمِعْتُ الْمُسْتَوْرِدَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلًا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ، أَوْ خَادِمٌ، فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا، أَوْ مَسْكَنٌ فَلْيَتَّخِذْ مَسْكَنًا، أَوْ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً، وَمَنْ أَصَابَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٍ أَوْ سَارِقٌ» [3]
والحديث يدل على أن رزق العامل ينبغي أن يكون بقدر الكفاية.
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (13/ 154)
(2) - مسند أحمد ط الرسالة (29/ 543) (18015) صحيح لغيره
(3) - الأموال لابن زنجويه (2/ 593) (978) صحيح لغيره