فهرس الكتاب
كما يجب على الحكومة إعطاء الموظفين والعمال أجورهم دون تأخير أو مماطلة أو نقص، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]
يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا التَزِمُوا الوَفَاءَ بِجَميعِ العُهُودِ التِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ، وَالعُهُودِ المَشْرُوعَةِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ. فَاللهُ تَعَالَى يَأْمُرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفَاءِ بِمَا عَقَدُوهُ، وَارْتَبَطُوا بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى، مَا لَمْ يَكُنْ يُحَرِّمُ حَلاَلاَ، أَوْ يُحَلِّلُ حَرَاماً: كَالعَقْدِ عَلَى الرِّبا، أَوْ أَكَلِ مَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ (كَالرَّشْوَةِ وَالقِمَارِ) [1]
وهذا أمر يقتضي وجوب الوفاء بالعقود، ومنها العقود التي بين الناس في المعاملات كالإجارة وغيرها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ:"قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» رواه ابن ماجه وغيره [3]
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:670،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - صحيح البخاري (3/ 82) (2227)
[ش (أعطى بي) عاهد باسمي وحلف. (غدر) نقض العهد ولم يف به أو لم يبر بقسمه. (باع حرا) وهو يعلم أنه حر. (فاستوفى منه) العمل الذي استأجره من أجله]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ) أَيْ رِجَالٌ أَوْ أَشْخَاصٌ (أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) قَالَ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ:الْخَصْمُ مَصْدَرُ خَصَمْتُهُ أَخْصِمُهُ: نَعْتٌ فِي لِلْمُبَالَغَةِ كَالْعَدْلِ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ أَيْ: غَلَبْتُهُ فِي الْخُصُومَةِ (رَجُلٌ أَعْطَى بِي) أَيْ عَهِدَ بِاسْمِي وَحَلَفَ بِي أَوْ أَعْطَى الْأَمَانَ بِاسْمِي أَوْ بِمَا شَرَعْتُهُ مِنْ دِينِي (ثُمَّ غَدَرَ) أَيْ: نَقَضَهُ قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:وَهُوَ قَرِينٌ لِخُصُوصِيَّةِ الْإِعْطَاءِ بِالْعَهْدِ فَقَوْلُهُ بِي حَالٌ أَيْ: مَوْثِقًا بِي لِأَنَّ الْعَهْدَ مِمَّا يُوثَقُ بِهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة:27] ، (وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) زِيدَ هَذَا الْقَيْدُ لِمَزِيدِ التَّوْبِيخِ (وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أَيْ: مَا أَرَادَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ أَتَى بِهِ تَهَجِينًا لِلْأَمْرِ وَزِيَادَةً لِلتَّقْرِيعِ (وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَيْ لَمْ يُعْطَهِ أَجْرَهُ وَافِيًا (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 1991)
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي: أولاً: تحريم بيع الحر وكونه من الكبائر، لأن هذا الوعيد لا يترتب إلاّ على كبيرة. ثانياً: أن من الكبائر الجرأة على الأيمان الباطلة، ونقض العهود، وأكل أجرة الأجير، لأنه استخدمه بغير عوض، وأكل حقه بالباطل، وهو من أقبح المظالم وأشدها. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (3/ 294)
(3) - سنن ابن ماجه (2/ 817) (2443) والمعجم الصغير للطبراني (1/ 43) (34) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 142) ومسند الشهاب القضاعي (1/ 433) (744) صحيح لغيره
وَالأَمْرُ بِإِعْطَائِهِ قَبْل جَفَافِ عَرَقِهِ إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ عَقِبَ فَرَاغِ الْعَمَل، إِذَا طَلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ، أَوْ عَرِقَ وَجَفَّ. وَذَلِكَ لِأَنَّ أَجْرَهُ عِمَالَةُ جَسَدِهِ، وَقَدْ عَجَّل مَنْفَعَتَهُ، فَإِذَا عَجَّلَهَا اسْتَحَقَّ التَّعْجِيل. وَمِنْ شَأْنِ الْبَاعَةِ: إِذَا سَلَّمُوا قَبَضُوا الثَّمَنَ عِنْدَ التَّسْلِيمِ، فَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى، إِذْ كَانَ ثَمَنَ مُهْجَتِهِ، لاَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ، فَيَحْرُمُ مَطْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ. الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (12/ 223)