ويظهر ذلك في قراءة حمزة والأعمش (ومكر السيئْ) بإسكان الهمزة وصلا.
يقول عنها النحاس:
(وقد أعظم بعض النحويين أن يكون الأعمش على جلالته ومحله يقرأ بهذا إنما كان يقف عليه فغلط من أدى عنه) . (1)
ويقول الزمخشرى عنه هذه القراءة
(لعله أختلس فظن الراوى أنه أسكن) . (2)
وهذا الاعتقاد الخاطئ رد عليه الصفاقسى حيث قال:
(هذا اعتقاد مشعر بغلط الرواة وهو باطل لأننا لو أخذنا بهذه التجويزات العقلية في حملة القرآن لأدى ذلك إلى الخلل فيه, بل المظنون بهم التثبيت التام والحرص الشديد على تمرير ألفاظ كتاب الله وعدالتهم وخشيتهم من الله - عز وجل - تمنعهم من التساهل في تحمله لاسيما فيما هو مخالف للجمهور فعندهم فيه مزيد اعتناء وهم أعلم بالعربية ممن يعترض عليهم وينسبهم للوهم والغلط) . (3)
1 -إعراب القرآن للنحاس 3/ 377.
2 -الكشاف 3/ 312.
3 -غيث النفع 234.
2 -وجود بعض الروايات التى تدل على وجود اللحن في القرآن:
لقد كان من أسباب وجود ظاهرة تلحين القراء أن بعض الروايات نسبت إلى عثمان بن عفان أنه قال لما عرضت عله المصاحف: إنه فيه لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. (1)
وهذا الخبر المنسوب إلى عثمان قد رفضه كثير من العلماء وجاء رفضهم من النواحى التالية:
أ- الطعن في سند الرواية ووجود التحريف فيها فقد أكد الكثير من العلماء أن هذا خبر باطل لا يصح يقول الألوسى عن هذا الخبر:
(إن ذلك لم يصح عن عثمان أصلًا) . (2)
ويقول ابن تيميه:
(وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه :
أحدها: أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يتسارعون إلى إنكار أوفى المنكرات فكيف يقرون اللحن في القرآن مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟
الثاني: أن العرب تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف؟
الثالث: أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي). (3)
ويقول السيوطي ردًا على من يعتمد على هذا الخبر في تلحين القراء:
(فإن قلت: فقد روى عن عثمان أنه قال: لما عرضت عليه المصاحف: إن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها.
قلت: معاذ الله كيف يظن أولا بالصحابة أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللدد؟
ثم كيف يظن بهم ثانيا: في القرآن الذى تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم كما أنزل وضبطوه وأتقنوه؟
1 -انظر الاقتراح للسيوطي53 - شذور الذهب79.
2 -مناهل العرفان1/ 186.
3 -فتاوي ابن تيميه15/ 254 -شذور الذهب80.
ثم كيف يظن بهم ثالثا: اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته؟
ثم كيف يظن بهم رابعًا: عدم تنبههم ورجوعهم عمه؟
ثم كيف يظن بعثمان أن يقرأه ولا يغيره؟
ثم كيف يظن أن القراءات استمرت على مقتضى ذلك الخطأ وهو مروى بالتواتر خلفا ً عن سلف؟
هذا مما يستحيل عقلًا وشرعا ً وعادة). (1)
فيستحيل على عثمان (الذى هو إمام الناس في زمنه وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذى هو الإمام, فيتبين فيه خللا ويشاهد في خطه زللا فلا يصلحه , كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز , ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده , وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه) . (2)
ثم أجاب السيوطى عن هذا الأثر المنسوب لعثمان بأن فيه تحريف وتبديل فقال:
(وأحسن ما يقال في أثر عثمان رضى الله عنه بعد تضعيفه والاضطراب الواقع في إسناده والانقطاع أنه وقع فيه تحريف فإن ابن أشته أخرجه في كتاب المصاحف من طريق عبد الأعلى بن عبدالله بن عامر قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر إليه فقال: أحسنتم وأجملتم أرى شيئًا سنقيمه بألسنتنا. فهذا الأثر لا إشكال فيه فكأنه لما عرض عليه عند الفراغ من كتابته رأى فيه شيئًا على غير لسان قريش فوعد أنه سيقيمه على لسان قريش ثم وفى بذلك كما ورد من طريق آخر) . (3)
يقول الزمخشرى:
(إن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على السلام وذب المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم وخرقا ً يرفوه من لحق بهم) . (4)
1 -الاقتراح للسيوطى 53.
2 -الإتقان للسيوطى 1/ 183
3 -السابق 54.
4 -الكشاف للزمخشرى 1/ 582.
(يُتْبَعُ)