فكل هذه النصوص تدل على أن الخبر المنسوب لعثمان رضى الله عنه لم يثبت سنده ولم تصح نسبته لعثمان وقد وقع في سنده ضعف واضطراب ثم هو لا يصح عقلا لحرص الصحابة على القرآن فلن يتركوا فيه لحنا.
ب- حمل معنى اللحن على معنى آخر غير الخطأ في اللغة العربية أو في رسم المصحف كان يحمل على معنى اللهجة الخاصة بقوم دون قوم فيقال لحن قريش أى لهجة قريش فيكون المعنى: إن في هذا القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا ولكن لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمرانة وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه. (1)
3 -احتكام النحاة على ما سنوه من قواعد وما وضعوه من قوانين:
كان من أسباب تلحين النحاة للقراءات أن النحاة الذين طعنوا في بعض القراءات كانوا يحتكمون إلى ما سنوه من قواعد ومقاييس فيعرضون القراءات على هذه القواعد والقوانين فإذا وافقت القراءة القاعدة قبلوها وإذا خالفت القاعدة ردوها ولحنوها وطعنوا فيها. وقد كان هذا المبدأ موجودًا عند مدرسة البصرة كما سبق أن ذكرنا ذلك.
-فقد منع البصريون الفصل بين المضاف والمضاف إليه نثرًا فلحنوا قراءة ابن عامر (وكذلك زين لكثير من المشركين قتلُ أولادَهم شركائِهم) (2) بالفصل بين المضاف والمضاف إليه.
-ومنع البصريون العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فلحنوا قراءة حمزة
(واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام) (3) بجر الأرحام.
-ومنع البصريون تسكين لام الأمر بعد (ثم) فلحنوا قراءة عاصم وابن كثير وحمزة الكسائى (ثم ليقطع) (4) بإسكان لام الأمر.
1 -المعيار في التخطئة والتصويب د/ عبد الفتاح سليم 88 دار المعارف الطبعة الأولى 1411 - 1991.
2 -سورة الأنعام آيه 137.
3 -سورة النساء آيه 1.
4 -سورة الحج آيه 15.
-ومنع البصريون إدغام الراء في اللام فلحنوا قراءة أبى عمر وبن العلاء (فيغفر لمن يشاء) (1)
بإدغام الراء في اللام.
-ومنع البصريون التقاء الساكنين على غير الحد الذى وضعوه فلحنوا كل قراءة التقى فيها ساكنان على غير هذا الحد فلحنوا قراءة نافع (قل إن صلاتى ونسكى ومحياي ومماتى) (1) بتسكين الياء من (محياى) وصلًا.
وغير ذلك من القراءات التى أشرنا إليها سابقا وسوف نشير إليها في أثناء البحث ,التى تدل على أن النحاة الذين طعنوا في بعض القراءات القرآنية كانوا يحكمون القاعدة في القراءة ويقدمون القاعدة, ويعرضون القراءة على القاعدة فإن وافقتها قبلت, وإلا رفضت ولحنت وطعن فيها.
ولكن هذا السلك من بعض النحاة لم يرتضه الكثير من العلماء لأن العربية هى التى يجب أن تتبع القراءة والقاعدة هى التى يجب أن تعرض على القراءة.
وقد ذكر الشيخ عبد الخالق عضيمة بعض أقوال العلماء في ردهم على النحاة الذين سلكوا هذا المسلك من هذه الأقوال (2) :-
-قول صاحب غيث النفع:
(القراءة لا تتبع العربية بل العربية تتبع القراءة لأنها مسموعة من افصح العرب بإجماع وهو نبينا صلى الله علية وسلم ومن أصحابه ومن بعدهم) .
-قول صاحب الانتصاف: (ليس القصد تصحيح القراءة بالعربية بل تصحيح العربية بالقراءة)
-قول النضر بن شميل: (إن جاز أن يحتج بقول العجاج ورؤية فهلا جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه)
1 -سورة البقرة آيه 284.
2 -سورة الأنعام آية 162.
3 -أنظر دراسات لأسلوب القرآن 1/ 27 - 28.
وقد عجب ابن حزم من صنيع البصريين ورفضهم لبعض القراءات فقال:
(من النحاة من ينتزع من المقدار الذى يقف عليه من كلام العرب حكما لفظيا ويتخذه مذهبا ثم تعرض له آيه على خلاف ذلك الحكم فيأخذ في صرف الآية عن وجهها) . (1)
ويقول أبو شامة:
(القراء لا يعلمون في شيئ من حروف القرآن على الأفشى في اللغه أو الأقيس في العربية, بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل , والرواية إذا ثبتت عندهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنه متبعة فيلزم قبولها والمصير إليها) . (2)
يقول البيهقى شارحا كلام أبى شامة:
(أراد أن أتباع من قبلنا في الحروف سنة متبعة لا يجوز مخالفة المصحف الذى هو إمام ولا القراءة التى هى مشهورة وإن كان غيره ذلك سائغا في اللغة أو أظهر منها) . (3)
4 -مجيئ بعض القراءات على غير اللغة الشائعة:
(يُتْبَعُ)