فهرس الكتاب

الصفحة 1032 من 6876

أنّ الأحوص مرّ بعبّاد بن حمزة بن عبد اللّه بن الزّبير ومحمد بن مصعب بن الزّبير بخيمتي [1] أمّ معبد، وهما يريدان الحجّ مرجعه من عند يزيد بن عبد الملك، وهو على نجيب له فاره ورحل فاخر وبزة مرتفعة، فحدّثهما أنّه قدم على يزيد بن عبد الملك، فأجازه وكساه وأخدمه [2] ؛ فلم يرهما يهشّان لذلك، فجعل يقول: خيمتي أمّ معبد، عبّاد ومحمد، كأنه يروض القوافي للشعر يريد/ قوله. فقال له محمد بن مصعب: إنّ أراك في تهيئة شعر وقواف وأراك تريد أن تهجونا! وكلّ مملوك [3] لي حرّ لئن هجوتنا بشيء إن لم أضربك بالسيف مجتهدا [4] على نفسك.

فقال الأحوص: جعلني اللّه فداك! إنّي أخاف أن تسمع هذا فيّ عدوّا فيقول شعرا يهجو كما به فينحلنيه [5] ، وأنا أبرئكما الساعة، كلّ مملوك لي حرّ إن هجوتكما ببيت شعر أبدا.

أراد أن يصحب محمد بن عباد في طريقه إلى مكة فأبى محمد:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثنا الزبير بن خبيب [6] عن أبيه خبيب بن ثابت قال:

/ خرجنا مع محمد بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزّبير إلى العمرة، فإنّا لبقرب قديد [7] إذ لحقنا الأحوص الشاعر على جمل برحل؛ فقال: الحمد للّه الّذي وفقّكم لي [8] ، ما أحبّ أنّكم غيركم، وما زلت أحرك في آثاركم مذ رفعتم لي [9] ؛ فقد ازددت بكم غبطة. فأقبل عليه محمد، وكان صاحب جدّ يكره الباطل وأهله، فقال: لكنّا واللّه ما اغتبطنا بك ولا نحبّ مسايرتك، فتقدّم عنّا أو تأخّر. فقال: واللّه ما رأيت كاليوم جوابا! قال: هو ذاك. قال: وكان محمد صاحب جدّ [يكره الباطل وأهله] [10] ، فأشفقنا مما صنع، ومعه عدّة من آل الزبير [11] ، فلم يقدر أحد منهم أن يردّ عليه. قال: وتقدّم الأحوص، ولم يكن لي شأن غير أن أعتذر إليه. فلمّا هبطنا من المشلّل [12] على خيمتي أمّ

[1] خيمة أم معبد ويقال بئر أم معبد: موضع بين مكة والمدينة نزله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في هجرته. ومعه أبو بكر رضي اللّه عنه، وقصته مشهورة. قالوا: لما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يزل مساحلا حتى انتهى إلى قديد فانتهى إلى خيمة منتبذة، وذكروا الحديث، وسمع هاتف ينشد:

جزى اللّه خيرا والجزاء بكفه ... رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد

[2] اخدمه: وهب له خادما.

[3] في الأصول: «و كل مملوك له» .

[4] الاجتهاد: بذل الوسع والمجهود في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد بمعنى الطاقة. فلعل معنى قوله: «مجتهدا على نفسك» :

باذلا ما في وسعي وطاقتي في القضاء على نفسك.

[5] نخله القول: نسبه إليه وهو لم يقله.

[6] كذا في «المشتبه» للذهبي (ص 147) و «فهرس» الطبري. وفي الأصول: «حبيب» بالحاء المهملة، وهو تصحيف.

[7] قال ياقوت في «معجمه» : «قديد بالتصغير: اسم موضع قرب مكة. قال ابن الكلبيّ: لما رجع تبّع من المدينة بعد حربه لأهلها نزل قديدا فهبت ريح قدّت خيم أصحابه، فسمى قديدا» . وقال في «اللسان» مادّة قدد: «قديد: ماء بالحجاز وهو مصغر، وورد ذكره في الحديث؛ قال ابن سيده: وقديد موضع، وبعضهم لا يصرفه ويجعله اسما للبقعة» .

[8] وفقكم لي: جعلكم تصادفونني وتلاقونني. وفي «اللسان» (مادة وفق) : «و يقال: وفقت له ووفّقت له ووفقته ووفقني، وذلك إذا صادفني ولقيني» .

[9] رفع لي الشي ء: أبصرته من بعد.

[10] زيادة عن ط، م، ء.

[11] في ط، م، ء: «من ولد الزبير» .

[12] المشلل (بالضم فالفتح وفتح اللام المشدّدة) : جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. (انظر ياقوت في المشلل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت