أخبرني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجليّ العطّار بالكوفة، قال: حدّثني عليّ بن عمروس عن عمّه عليّ بن القاسم قال:
كنت آلف مطيع بن إياس، وكان جاري، وعنّفني في عشرته جماعة، وقالوا لي: إنه زنديق. فأخبرته بذلك، فقال: وهل سمعت منّي أو رأيت شيئا يدلّ على ذلك، أو هل وجدتني أخلّ بالفرائض في صلاة أو صوم؟ فقلت له:
واللّه ما اتّهمتك ولكنّي خبّرتك بما قالوا. واستحييت منه. فعجل على السكر ذات يوم في منزله، فنمت عنده ومطرنا [1] في جوف اللّيل وهو معي، فصاح بي مرّتين أو ثلاثا،/ فعلمت أنّه يريد أن يصطبح، فكسلت أن أجيبه، فلما تيقّن أنّي نائم جعل يردّد على نفسه بيتا قاله، وهو قوله:
أصبحت جمّ بلابل الصّدر ... عصرا أكاتمه إلى عصر [2]
فقلت في نفسي: هذا يعمل شعرا في فنّ من الفنون. فأضاف إليه بيتا ثانيا، وهو قوله:
إن بحت طلّ دمي وإن تركت ... وقدت عليّ توقّد الجمر [3]
فقلت في نفسي: ظفرت بمطيع. فتنحنحت، فقال لي: أما ترى هذا المطر وطيبه، أقعد بنا حتّى نشرب أقداحا.
فاغتنمت ذلك، فلما شربنا أقداحا قلت له: زعمت أنّك زنديق. قال: وما الّذي صحّح [4] عندك أنّي زنديق؟ قلت:
قولك: «إن بحت طلّ دمي» وأنشدته البيتين، فقال لي: كيف حفظت البيتين ولم تحفظ الثالث؟ فقلت: واللّه ما سمعت منك ثالثا. فقال: بلى قد قلت ثالثا. قلت: فما هو؟ قال:
ممّا جناه علي أبي حسن ... عمر وصاحبه أبو بكر [5]
من سرعة بديهته
/ وحدّثني الحسن بن علي قال: حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني إبراهيم بن المدبّر قال: حدّثني محمّد بن عمر الجرجاني قال:
جاء مطيع بن إياس إلى إخوان له وكانوا على شراب، فدخل الغلام يستأذن له، فلمّا سمع صاحب البيت بذكره خرج مبادرا، فسمعه يقول:
/أمسيت جمّ بلابل الصدر ... دهرا أزجّيه إلى دهر [6]
إن فهت طلّ دمي وإن كتمت ... وقدت عليّ توقّد الجمر
فلما أحسّ مطيع بأنّ صاحب البيت قد فتح له استدرك البيتين بثالث فقال:
ممّا جناه علي أبي حسن ... عمر وصاحبه أبو بكر
وكان صاحب البيت يتشيّع، فأكبّ على رأسه يقبّله ويقول: جزاك اللّه يا أبا مسلم خيرا!
[1] مطرنا: نزل علينا المطر.
[2] الجم: الكثير. والبلابل. وساوس الصدر وشدّة الهموم.
[3] طل دمه، بالبناء للمجهول: أبيح، وقيل لم يثأر به.
[4] في الأصول: «صح» .
[5] هذا ما في ش. وفي سائر النسخ: «ما جناه» . وأبو حسن: كنية علي بن أبي طالب.
[6] أزجيه: أسوقه. وقد سبق برواية أخرى.