وذكر أبو نصر عن جماعة من الرواة وذكر أبو مسلم ومحمد بن الحسن الأحول أن ابن الأعرابيّ أخبرهما أنّ نسوة جلسن إلى المجنون فقلن له: ما الذي دعاك إلى أن أحللت بنفسك ما ترى [1] في هوى ليلى، وإنما هي امرأة من النساء، هل لك في أن تصرف هواك عنها إلى إحدانا فنساعفك ونجزيك بهواك ويرجع إليك ما عزب من عقلك وجسمك؟ فقال لهنّ: لو قدرت على صرف الهوى عنها إليكنّ لصرفته عنها وعن كلّ أحد بعدها وعشت في الناس سويّا مستريحا؛ فقلن له: ما أعجبك منها [2] ؟ فقال: كلّ شيء رأيته وشاهدته وسمعته/ منها أعجبني، واللّه ما رأيت شيئا منها قطّ إلا كان في عيني حسنا وبقلبي علقا، ولقد جهدت أن يقبح منها عندي شيء أو يسمج أو يعاب لأسلو عنها فلم أجده؛ فقلن له: فصفها لنا، فأنشأ يقول:
بيضاء خالصة البياض كأنها ... قمر توسّط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسد ... إنّ الجمال مظنة للحسّد
وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء ترغب عن سواد الإثمد
خوّد [3] إذا كثر الكلام تعوذت ... بحمى الحياء وإن تكلّم تقصد [4]
قال: ثم قال ابن الأعرابيّ: هذا واللّه من حسن الكلام ومنقح [5] الشّعر.
وأنشد أبو نصر للمجنون أيضا، وفيه غناء، قال:
كأنّ فؤادي في مخالب طائر ... إذا ذكرت ليلى يشدّ بها [6] قبضا
كأنّ فجاج الأرض حلقة خاتم ... عليّ، فما تزداد طولا ولا عرضا
أودع رجلا شعرا ينشده على مسمع من ليلى
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا أبو مسلم عن القحذميّ قال: قال رجل من عشيرة المجنون له: إني أريد الإلمام بحيّ ليلى فهل تودعني إليها شيئا؟ فقال: نعم! قف بحيث تسمعك ثم قل:
صوت
اللّه يعلم أنّ النفس هالكة [7] ... باليأس منك ولكنّي أعنّيها [8]
[1] كذا في أغلب النسخ. وفي م، أ: «نرى» بالنون.
[2] كذا في أغلب النسخ. وفي ب، س: «فيها» .
[3] الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا.
[4] يقال: قصد في الأمر قصدا: توسط وطلب السداد ولم يجاوز الحدّ.
[5] في ت: «و مليح الشعر» .
[6] كذا في أغلب النسخ. وفي «تزيين الأسواق» : «يشدّ به» . وفي «الديوان» : «إذا ذكرتها النفس شدّت به قبضا» .
[7] كذا في أغلب النسخ. وفي ت وتزيين الأسواق: «قد هلكت» .
[8] أعنيها: أكلفها ما يشقّ عليها.