الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم؛ فاستشار النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الناس وأخبرهم/ عن قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللّه، امض لما أمرك اللّه فنحن معك.
واللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون معلمون [1] . فو الّذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى برك [2] الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك حتّى تبلغه. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيرا ودعا له بخير.
حدّثنا محمد قال حدّثنا محمد بن عبيد المحاربيّ قال حدّثني إسماعيل بن إبراهيم أبو يحيى قال حدّثنا المخارق عن طارق عن عبد اللّه بن مسعود قال:
شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ مما في الأرض من كلّ شيء، كان رجلا فارسا، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا غضب احمارّت وجنتاه، فأتاه المقداد على تلك الحال، فقال: أبشر يا رسول اللّه، فو اللّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن والذي بعثك بالحقّ لنكونن بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك أو يفتح اللّه تبارك وتعالى.
ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «أشيروا عليّ أيّها الناس» . وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنّهم كانوا عدد الناس، وأنّهم حين بايعوا بالعقبة قالوا: يا رسول اللّه إنا برآء من ذمامك حتّى نصير إلى دارنا، فإذا وصلت فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلّا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ في غير بلادهم. فلما قال ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال له سعد بن معاذ: واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه. قال: «أجل» . قال: فقد آمنّا بك يا رسول اللّه وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض بنا يا رسول اللّه لما أردت [فنحن معك] [3] . فو الذي/ بعثك بالحقّ لو استعرضت [4] بنا هذا البحر وخضته لخضناه معك ما يتخلّف منّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّا غدا. إنّا لصبر عند الحرب، صدق [5] عند اللّقاء، لعل اللّه تعالى أن يريك [منّا] [3] ما تقرّ به عينك؛ فسر بنا على بركة اللّه. فسرّ [6] رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [بقول سعد] [3] ونشّطه ذلك؛ ثم قال:
[1] أعلم نفسه: وسمها بسيما الحرب كعلّمها.
[2] برك الغماد (بفتح الباء وكسرها، وبكسر الغين وضمها وقيل مثلث الغين) ، اختلف فيه فقيل: موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، وقيل: موضع في أقصى أرض هجر، وقيل: بلد باليمن، وقيل غير ذلك. وورد في «تاريخ الطبري» (ص 1300 من القسم الأوّل طبع أوروبا) ما يؤيد التفسير الذي ذكره أبو الفرج. وورد أيضا في «معجم ما استعجم» للبكريّ (ص 148) ما نصه:
« ... وفي حديث هجرة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا إلى الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنّة ... إلخ» .
[3] زيادة عن «السيرة» .
[4] استعرض البحر: أتاه من جانبه عرضا.
[5] يقال: رجل صدق اللقاء وقوم صدق (بالضم) ، ومثاله فرس ورد وأفراس ورد. (انظر «اللسان» مادة صدق) .
[6] في الأصول: «فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونشطه ذلك» . وما أثبتناه عن «السيرة والكشاف» للزّمخشري في تفسير سورة الأنفال.