لقاء حسان لجبلة واستنشاد جبلة له بعد النابغة وعلقمة وإجازته:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلّبي قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهري قال: حدّثني يوسف بن الماجشون عن أبيه قال:
قال حسّان بن ثابت: أتيت جبلة بن الأيهم الغسّاني وقد مدحته، فأذن لي فجلست بين يديه، وعن يمينه رجل له ضفيرتان، وعن يساره رجل لا أعرفه، فقال: أتعرف هذين؟ فقلت: أمّا هذا فأعرفه، وهو النابغة، وأما هذا فلا أعرفه. قال: فهو علقمة بن عبدة، فإن شئت استنشدتهما وسمعت منهما، ثم إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن شئت أن تسكت سكتّ. قلت: فذاك. قال: فأنشده النابغة:
كليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب
قال: فذهب نصفي. ثم قال لعلقمة: أنشد. فأنشد:
طحابك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب [1]
فذهب نصفي الآخر فقال لي: أنت أعلم، الآن إن شئت أن تنشد بعدهما أنشدت، وإن شئت أن تسكت سكتّ. فتشدّدت ثم قلت: لا بل، أنشد. قال: هات. فأنشدته:
للّه درّ عصابة نادمتها ... يوما بجلّق في الزّمان الأوّل [2]
أولاد جفنة عند قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم ... كأسا تصفّق بالرحيق السلسل [3]
/يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطراز الأوّل
فقال لي: ادنه، ادنه، لعمري ما أنت بدونهما. ثم أمر لي بثلاثمائة دينار، وعشرة أقمصة لها جيب واحد، وقال: هذا لك عندنا في كلّ عام.
وقد ذكر أبو عمرو الشّيباني هذه القصة لحسان ووصفها وقال: إنّما مضّله عمرو بن الحارث الأعرج، ومدحه بالقصيدة اللامية. وأتى بالقصّة أتمّ من هذه الرواية.
[1] طحا به قلبه: ذهب به في كل مذهب.
[2] هذا البيت لم يرو في ط، ها، مط.
[3] البريص: نهر بدمشق.