قال: إنّ ظاهر أمرك ليدلّ على باطنه، فأرود [1] التفسير، ولئن متّ لأموتنّ معك، أفّ للدنيا بعدك يا أبا الخطّاب! فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد! / قال: فلقي الحارث بن خالد ابن أبي عتيق فقال: قد بلغني ما دار بينك وبين ابن أبي ربيعة، فكيف لم تتحلّلا منّي [2] ؟ فقال له ابن أبي عتيق: يغفر اللّه لك يا أبا عمرو، إن ابن أبي ربيعة يبرىء القرح [3] ، ويضع الهناء مواضع النّقب [4] ، وأنت جميل الخفض [5] . فضحك الحارث بن خالد وقال: «حبّك الشيء يعمي ويصمّ» [6] . فقال: هيهات أنا بالحسن عالم نظّار!
وأمّا خبر السّواد في ثنيّتي عمر فإن الزبير بن بكّار ذكره عن عمّه مصعب في خبره: أنّ امرأة غارت عليه فاعترضته بمسواك كان في يدها فضربت به ثنيّتيه فاسودّتا.
وذكر إسحاق الموصليّ عن أبي عبد اللّه [7] المسيّبيّ وأبي الحسن المدائنيّ: أنه أتى الثريّا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصّل بذكره في الشعر، فلمّا كشفت الثريّا السّتر وأرادت الخروج إليه، رأت صاحبه فرجعت. فقال لها: إنه ليس ممّن أحتشمه [8] ولا أخفي عنه شيئا؛ واستلقى فضحك - وكان النساء إذ ذاك يتختّمن في أصابعهنّ العشر - فخرجت إليه فضربته بظاهر كفّها، فأصابت الخواتيم ثنيّتيه/ العليين فنغضتا [9] وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا واسودّتا. فقال الحزين الكنانيّ يعيّره [10] بذلك - وكان عدوّه وقد بلغه خبره -:
ما بال سنّيك أم ما بال كسرهما [11] ... أهكذا كسرا في غير ما باس
[1] في م، أ، ء: «فأورد بالتفسير» . وفي سائر النسخ عدا نسخة ت: «فأورد التفسير» . وأورد إنما يتعدّى بنفسه لا بالباء. ولعل المراد قد بان لنا أمرك ودل على باطنك ظاهرك فصرّح بما كان.
وفي ت: فأرود بالتفسير». يقال: أرود به إروادا إذا رفق؛ ومنه الحديث: «رويدك رفقا بالقوارير» . وهو يتعدّى بالباء. ويقال: أرود إذا ترك، وهو يتعدّى بنفسه لا بالباء وهو الذي يقتضيه سياق الكلام. فلعل الباء هنا من زيادة الناسخ. والمراد: إن ظاهر أمرك ليدل على باطنه، فدع التفسير فلا حاجة إليه.
[2] لم تتحللا مني: لم تسألاني أن أجعلكما في حلّ.
[3] قال الليث: القرح: جرب شديد يأخذ الفصلان فلا تكاد تنجو. والفصلان: جمع فصيل وهو ولد الناقة. وقال الأزهريّ: الذي قاله الليث من أن القرح جرب شديد الخ غلط، إنما القرحة داء يأخذ البعير فيهدل مشفره منه.
[4] النّقب والنّقب: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقية؛ وقيل: هي أوّل ما يبدو من الجرب؛ قال دريد بن الصمة:
متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النّقب
[5] الخفض: الدعة.
[6] أي يخفى عليك مساويه، ويصمّك عن سماع العذل فيه.
[7] في ت: «عبيد اللّه» .
[8] قال في «اللسان» و «شرح القاموس» (مادة حشم) : وقد احتشم عنه ومنه؛ ولا يقال: احتشمه، فأما قول القائل: ولم يحتشم ذلك فإنه حذف «من» وأوصل الفعل. وفي أساس البلاغة: «أنا أحتشمك وأحتشم منك، أي أستحي» .
[9] كذا في ح، ر. وفي ت: «فنغضتا وخاف أن يسقطا» . ونغضت سنه تنغض وتنغض: قلقت وتحرّكت. وفي سائر النسخ: «و كادت أن تقلعهما وخاف أن يسقطا» .
[10] ستأتي ترجمته في الجزء الرابع عشر من «الأغاني» .
[11] في ت: «أم ما شأن حسنهما» .