فكلّ الذي عدّدت يكفيك بعضه ... ونيلك خير من بحور السوائل
فقال له عمر: يا أحوص، إنّ اللّه سائلك عن كلّ ما قلت. ثم تقدّم إليه نصيب فاستأذن في الإنشاد، فأبى أن يأذن له وغضب عضبا شديدا، وأمره باللّحاق بدابق [1] . وأمر لي وللأحوص لكلّ واحد بمائة وخمسين درهما.
وقال الرّياشيّ في خبره: فقال لنا: ما عندي ما أعطيكم، فانتظروا حتى يخرج عطائي فأواسيكم منه. فانتظرنا حتى خرج، فأمر لي وللأحوص بثلاثمائة درهم، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما. فما رأيت أعظم بركة من الثلاث المائة التي أعطاني، ابتعت بها وصيفة فعلّمتها الغناء فبعتها بألف دينار.
أخبرني عمّي عبد العزيز بن أحمد قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال:
/ قال دكين/ الراجز: امتدحت عمر بن عبد العزيز وهو والي المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة كرائم، فكرهت أن أرمي بهنّ الفجاج، ولم تطب نفسي ببيعهنّ. فقدمت علينا رفقة من مصر، فسألتهم الصّحبة، فقالوا:
ذاك إليك، ونحن نخرج الليلة، فأتيته فودّعته وعنده شيخان لا أعرفهما. فقال لي: يا دكين، إن لي نفسا توّاقة، فإن صرت إلى أكثر مما أنا فيه فأتني ولك الإحسان. قلت: أشهد لي بذلك. قال: أشهد اللّه به. قلت: ومن خلقه؟
قال: هذين الشيخين. فأقبلت على أحدهما فقلت: من أنت أعرفك؟ قال: سالم بن عبد اللّه بن عمر. فقلت له: لقد استسمنت الشاهد. وقلت للآخر: من أنت؟ قال: أبو يحيى مولى الأمير. فخرجت إلى بلدي بهنّ، فرمى اللّه في أذنابهنّ بالبركة حتى اعتقدت [2] منهن الإبل والعبيد. فإنّي لبصحراء فلج [3] إذا ناع ينعى سليمان. قلت: فمن القائم بعده؟ قال: عمر بن عبد العزيز. فتوجّهت نحوه، فلقيني جرير متصرفا من عنده. فقلت: يا أبا حزرة، من أين؟
فقال: من عند من يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء. فانطلقت فإذا هو في عرصة دار وقد أحاط الناس به، فلم أخلص إليه فناديت:
يا عمر الخيرات والمكارم ... وعمر الدّسائع [4] العظائم
إني امرؤ من قطن بن دارم ... طلبت ديني من أخي مكارم
إذ تنتحي والليل غير نائم [5] ... عند أبي يحيى وعند سالم
فقام أبو يحيى فقال: يا أمير المؤمنين، لهذا البدوي عندي شهادة عليك، فقال: أعرفها؛ أدن يا دكين، أنا كما ذكرت لك، إن نفسي لم تنل شيئا قطّ إلّا تاقت/ لما هو فوقه، وقد نلت غاية الدنيا فنفسي تتوق إلى الآخرة، واللّه
إن الرسول لنور يستضاء به ... مهند من سيوف اللّه مسلول
ألقى عليه بردة كانت عليه، بذل له فيها معاوية عشرة آلاف درهم، فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحدا. فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا فأخذها منهم.
[1] دابق: قرية قرب حلب بينها وبين حلب أربعة فراسخ.
[2] اعتقد الشي ء: اشتراه أو اقتناه.
[3] فلج: واد بين البصرة وحمى ضرية.
[4] الدسائع: الشمائل أو العطايا.
[5] كذا في «العقد الفريد» : وفي الأصول: إذا تنتحي واللّه غير نائم.