فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
لمّا أراد عبد اللّه بن جعفر إهداء [1] بنته إلى الحجّاج، كان ابن أبي عتيق عنده، فجاءه الدّلال متعرّضا فاستأذن.
فقال له ابن جعفر: لقد جئتنا يا دلال في وقت حاجتنا إليك. قال: ذلك قصدت. فقال له ابن أبي عتيق: غنّنا؛ فقال ابن جعفر: ليس وقت ذلك، نحن في شغل عن هذا. فقال ابن أبي عتيق: وربّ/ الكعبة ليغنّينّ. فقال له ابن جعفر: هات. فغنّى ونقر بالدّفّ - والهوادج والرّواحل قد هيّئت، وصيّرت بنت ابن جعفر فيها مع جواريها والمشيّعين لها -:
يا صاح لو كنت عالما خبرا ... بما يلاقي المحبّ لم تلمه [2]
لا ذنب لي في مقرّط [3] حسن ... أعجبني دلّه ومبتسمه
شيمته البخل والبعاد لنا ... يا حبّذا هو وحبّذا شيمه
مضمّخ بالعبير عارضه ... طوبى لمن شمّه ومن لثمه [4]
/ - قال: ولابن محرز في هذا الشعر لحن أجود من لحن الدّلال - فطرب ابن جعفر وابن أبي عتيق. وقال له ابن جعفر: زدني وطرب. فأعاد اللحن ثلاثا ثم غنّى:
بكر العواذل في الصّبا ... ح يلمنني وألو مهنّه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه
ومضت بنت ابن جعفر، فاتّبعها يغنّيها بهذا الشعر - ولعبد آل الهذليّ فيه لحن وهو أحسنها -:
إنّ الخليط أجدّ فاحتملا ... وأراد غيظك بالذي فعلا
فوقفت أنظر بعض شأنهم ... والنّفس مما تأمل الأملا
وإذا البغال تشدّ صافنة [5] ... وإذا الحداة قد أزمعوا الرّحلا
فهناك كاد الشّوق يقتلني ... لو أنّ شوقا قبله قتلا
/ فدمعت عينا عبد اللّه بن جعفر، وقال للدّلال: حسبك! فقد أوجعت قلبي! وقال لهم: امضوا في حفظ اللّه على خير طائر وأيمن نقيبة.
[1] الإهداء: الزفاف.
[2] لم تلمه، أصل ميمه الإسكان فنقلت إليه ضمة الهاء؛ كقوله:
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزيّ سبني لم أضربه
نقل ضمة الهاء إلى الباء.
[3] كذا فيء، ط. والمقرط: المتحلى بالقرط. وفي سائر الأصول: «مقرطق» . والمقرطق: لابس القرطق، وهو قباء ذو طاق واحد.
[4] لثمه، أصل ميمه الفتح، فنقلت إليه ضمة الهاء بعده على لغة لخم؛ لأنهم يجيزون في الوقف نقل حركة الحرف الأخير إلى المتحرك قبله؛ كقوله: «من يأتمر بالخير فيما قصده» .
[5] تشدّ: تهيأ عليها الرحال. والصافن من الخيل ونحوه: القائم على ثلاث قوائم وقد أقام الرابعة على طرف الحافر.