أتنسى [1] إذ تودّعنا سليمى ... بفرع بشامة، سقي البشام [2]
فغنّى. ثم قال: غنني:
جلا أميّة عنّا كلّ مظلمة ... سهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا
/ فغنّاه. ثم قال: اسقني يا غلام بزبّ فرعون، فأتاه بقدح معوجّ فيه طول فسقاه به عشرين قدحا. ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ فقال: أدخله، فدخل غلام شابّ لم أر أحسن منه وجها [3] في رجله فدع [4] ، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:
وهي إذ ذاك عليها مئزر ... ولها بيت جوار من لعب
فغنّاه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:
طرق الخيال فمرحبا ... ألفا برؤية زينبا
فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تتركنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي؛ فقال: واللّه يا أبا عبّاد ما جهلت قدرك ولا سنّك،/ ولكن هذا الغلام طرحني على مثل الطّياجن [5] من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام؟ فإذا هو ابن عائشة.
كان في حانة فطلبه المنصور فجاءه وأنشده من شعر هفان بن همام:
حدّثني الحسن بن محمد المادرانيّ الكاتب قال حدّثني الرياشيّ عن العتبيّ، وأخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي - وليس خبره بتمام هذا - قال:
طلب المنصور حمّادا الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، وسئل عنه إخوانه فعرّفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجّهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة وهو عريان يشرب نبيذا من إجّانة [6] وعلى سوأته رأس دستجة [7] ، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالة أرفع ولا حالة أوضع من/ تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفّان بن همّام بن نضلة يرثي أباه؛ فأنشده:
خليلّ عوجا إنها حاجة لنا ... على قبر همّام سقته الرواعد
على قبر من يرجى نداه ويبتغى ... جداه إذا لم يحمد الأرض رائد
[1] ورد صدر هذا البيت في «اللسان» مادة «بشم» هكذا:
أتذكر يوم تصقل عارضيها
وصدر هذا البيت في التهذيب:
أتذكر إذ تودعنا سليمى
[2] البشام: شجر طيب الريح والطعم يستاك به. يعني بالبيت أنها أشارت بسواكها فكان ذلك وداعها ولم تتكلم خيفة الرقباء.
[3] في ب، س: «لم أر ... وجها من رجل في رجله ... إلخ» ولا يستقيم الكلام بهذه الزيادة.
[4] الفدع: عوج وميل في المفاصل كلها خلقة أو داء.
[5] كذا في أكثر الأصول. والطياجن: الطوابق يقلي عليها. وفي ب، س: «الطناجير» وهو تحريف.
[6] الإجانة: آنية تغسل فيها الثياب.
[7] كذا في أ، ء. والدستجة»: الإناء الكبير من الزجاج معرب: «دستة» وفي ح، م: «دسيتجة» (بالتصغير) . وفي ب، س: «دستيجة» ولعلها محرفة عما في ح، م.