فهرس الكتاب

الصفحة 1739 من 6876

هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، ألم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: ومكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبيّ عنده، إذ نزل من عنده وقد كان الولد حمله على برذون هملاج [1] أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلّا وأعراب قد جاءوا به يحملونه منفسخة عنقه ميّتا/ وبرذونه يقاد حتى أسلموه.

فبلغني ذلك، فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، وقد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو اللّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه [2] فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدقّ عنقه ثم غاب عن عيوننا؛ فاحتملناه فجئنا به.

قصة الخارجين عليه ومقتله:

وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال:

لما أكثر الوليد بن يزيد التهتّك وانهمك في اللذّات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيّه، ملّ الناس أيامه وكرهوه. وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا؛ فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، وكان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس - وكان امرأ صدق ولم يكن في بني أميّة مثله، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز - فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد؛ فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملّوا بني مروان، وإنّ مشى بعضكم في أمر [3] بعض أكلتم، وللّه أجل لا بدّ أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده ومشى إلى غيره، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه؛ فعاد إلى أخيه ومعه مولّى له وأعاد عليه القول وعرّض له بأنه قد دعي إلى الخلافة؛ فقال له: واللّه لو لا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجّهت بك إليه مشدودا؛ فنشدتك اللّه ألّا تسعى في شيء من هذا. فانصرف/ من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه. وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشى بعضهم إلى بعض في خلعه:

صوت

سلّ همّ النفس عنها ... بعلنداة [4] علاة

تتّقي الأرض وتهوي ... بخفاف مدمجات

ذاك أم ما بال قومي ... كسروا سنّ قناتي

واستخفّوا بي وصاروا ... كقرود خاسئات

[1] الهملاج: الحسن السير في سرعة وبخترة.

[2] الضبع: العضد والإبط، يقال: أخذ بضبعيه أي بعضديه.

[3] في ب، س، ح: «في أثر» .

[4] العلنداة: الناقة الضخمة الطويلة. وناقة علاة الخلق أي طويلة جسيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت