فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 6876

من رسولي إلى الثريّا فإنّي ... ضقت ذرعا بهجرها والكتاب

فقال ابن أبي عتيق: كلّ مملوك لي حرّ إن بلّغها ذاك غيري. فخرج، حتى إذا كان بالمصلّى مرّ بنصيب وهو واقف فقال: يا أبا محجن. قال لبّيك! قال: أتودع إلى سلمى [1] شيئا؟ قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: تقول لها يابن الصّدّيق: إنك مررت بي فقلت لي أتودع إليها شيئا، فقلت:

أ تصبر عن سلمى وأنت صبور ... وأنت بحسن العزم منك جدير

وكدت ولم أخلق من الطير إن بدا ... سنى بارق نحو الحجاز أطير

قال: فمرّ بسلمى وهي في قرية يقال لها «القسريّة [2] » ، فأبلغها الرّسالة، فزفرت زفرة كادت أن تفرّق [3] أضلاعها. فقال ابن أبي عتيق: كلّ مملوك لي حرّ إن لم يكن جوابك أحسن من رسالته، ولو سمعك الآن لنعق وصار غرابا. ثم مضى إلى الثريّا فأبلغ الكتاب. فقالت له: أما وجد رسولا أصغر منك! انزل فأرح [4] . فقال: لست/ إذا برسول! وسألها أن ترضى عنه، ففعلت. وقال الزّبير في خبره: فقال لها: أنا رسول ابن أبي ربيعة إليك، وأنشدها الأبيات، وقال لها: خشيت أن تضيع هذه الرسالة. قالت: أدّى اللّه عنك [5] أمانتك. قال: فما جواب ما تجشّمته إليك؟ قالت: تنشده قوله في رملة:

وجلا بردها وقد حسرته [6] ... ضوء بدر أضاء للناظرينا

فقال: أعيذك باللّه يابنة أخي أن تغلبيني بالمثل السائر. قالت: وما هو؟ قال: «حريص لا يرى عمله [7] » .

قالت: فما تشاء؟ قال: تكتبين إليه بالرضا عنه كتابا يصل على يدي، ففعلت. فأخذ الكتاب ورجع من فوره حتى قدم مكة، فأتى عمر. فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من حيث أرسلتني. قال: وأنّى ذلك؟ قال: من عند الثريّا،

[1] سيأتي في أخبار نصيب ص 364 من هذا الجزء هذا الخبر بنص قريب من هذا وأن اسمها «سعدى» ، وأن الشعر

أ تصبر عن سعدى وأنت صبور

البيتين.

[2] في أ، م، ء: «القشيرية» ولم نعثر عليهما في «ياقوت» و «البكري» . على أن قسرا بطن من قيس، وقيسا بطن من بجيلة ينسب إليها خالد بن عبد اللّه القسري. والقشيرية: نسبة إلى قشير وهو أبو قبيلة من هوازن، ينسب إليه أبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري أحد أئمة الحديث، وصحيحه معروف مشهور.

[3] في ح، ر: «تفرّق بين أضلاعها» .

[4] أي فأرح دابتك وأرح نفسك.

[5] في ح، ر، ب، س: «أدّى اللّه عن أمانتك» .

[6] ورد هذا الشطر في ت هكذا:

وجلا برد بركة جنديّ

فإن كانت هذه الرواية صحيحة فالمراد من البركة نوع من برود اليمن، كما في «شرح القاموس» (مادة «برك» ) ؛ قال مالك بن الريب:

إنا وجدنا طرد الهوامل ... بين الرّسيسين وبين عاقل

والمشي في البركة والمراجل ... خيرا من التأنان في المسائل

وفي «اللسان» مادتي «أنن» و «همل» : «و المسائل» . والجنديّ: نسبة إلى الجند وهو أحد مخاليف اليمن. وفي أ، م، ء: «و جلا بردها بركة جندي» وهو تحريف.

[7] قد يراد به ما يراد بالمثل الوارد في الميداني وهو: «الحريص محروم» أو «الحرص قائد الحرمان» . يريد أن يقول لها: إنه لا يريد أن يحرم نتيجة عمله كما يحرم الحريص عادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت