فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وكيف مع معرفتك بي تقدم على الشهادة عندي! فقال له: إني تخوّفت إكراهه، ولقد افتديت شهادتي عندك بمال فلم يقبل منّي فأقمتها [1] ؛ فلا يقبل اللّه لك صرفا ولا عدلا إن قبلتها، وقام من عنده؛ ولم يقدر سوّار له على شيء لما تقدّم به المنصور إليه في أمره، واغتاظ غيظا شديدا وانصرف من مجلسه فلم يقض يومئذ بين اثنين. ثم إن سوّارا اعتلّ علّته التي مات فيها فلم يقدر السيّد على هجائه في حياته لنهي المنصور إيّاه عن ذلك. ومات سوّار فأخرج عشيّا وحفر له، فوقع الحفر في موضع كنيف. وكان بين الأزد وبين تميم عداوة، فمات عقب [2] موته عبّاد بن حبيب بن المهلّب؛ فهجا السيّد سوّارا في قصيدة رثى بها عبّادا ودفعها إلى نواتح الأزد لما بينهم وبين تميم من العداوة ولقربهم من دار سوّار ينحن [3] بها، وأوّلها:
/يا من غدا حاملا جثمان سوّار ... من داره طاعنا منها إلى النار
لا قدّس اللّه روحا كان هيكلها ... فقد مضت بعظيم الخزي والعار
حتى هوت قعر برهوت [4] معذّبة ... وجسمه في كنيف بين أقذار
لقد رأيت من الرحمن معجبة ... فيه وأحكامه تجري بمقدار
فاذهب عليك من الرحمن بهلته [5] ... يا شرّ حيّ براه الخالق الباري
مازح صديقا له زنجيا بشعر:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عليّ بن محمد البقّال قال حدّثنا شيبان بن محمد الحرّاني - وكان يلقّب بعوضة وصار من سادات الأزد - قال:
كان السيّد جاري، وكان أدلم [6] ، وكان ينادم فتيانا من فتيان الحيّ فيهم فتى مثله أدلم غليظ الأنف والشّفتين مزنّج الخلقة. وكان السيّد من أنتن الناس إبطين. وكانا يتمازحان، فيقول له السيّد: أنت زنجيّ الأنف والشّفتين، ويقول الفتى للسيّد: أنت زنجيّ اللون والإبطين. فقال السيّد:
أعارك يوم بعناه رباح [7] ... مشافره وأنفك ذا القبيحا
وكانت حصّتي إبطيّ منه ... ولونا حالكا أمسى فضوحا
فهل لك في مبادلتيك إبطي ... بأنفك تحمد البيع الرّبيحا
فإنّك أقبح الفتيان أنفا ... وإبطي أنتن الآباط ريحا
[1] كذا في أكثر الأصول. وفي ب، س: «فإن أقمتها» .
[2] كذا في ح. وفي سائر الأصول: «موت عباد» .
[3] في ح: «فنحن» .
[4] برهوت: بئر عميقة بحضرموت لا يستطاع النزول إلى قعرها. ويشير بقوله: «حتى هوت قعر برهوت» إلى ما ورد في هذه البئر من أنها مأوى أرواح الكفار والمنافقين.
[5] البهلة: اللعنة.
[6] الأدلم: الشديد السواد.
[7] رباح: من أسماء العبيد.