فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كنت مع السيّد وقد اكترينا سفينة إلى الأهواز؛ فجلس فيها معنا قوم شراة، فجعلوا ينالون من عثمان. فأخرج السيّد رأسه إليهم وقال:
/شفيت من نعثل في نحت أثلته [1] ... فاعمد هديت إلى نحت الغويّين
اعمد [2] هديت إلى نحت اللّذين هما ... كانا عن الشرّ لو شاء اغنيّين
قال إسماعيل: فلما قدمنا الأهواز قدم السيّد وقد سكر، فأتي به أبا بجير بن سماك الأسديّ؛ وكان ابن النّجاشيّ عند ابن سماك بعد العشاء الآخرة، وكان [3] يعرفه باسمه ولم يعرفه. فقال له: يا شيخ السّوء، تخرج سكران في هذا الوقت! لأحسننّ أدبك. فقال له: واللّه لا فعلت، ولتكرمنّي ولتخلعنّ عليّ وتحملنّي وتجيزنّي.
قال: أو تهزأ أيضا! قال: لا واللّه! ثم اندفع ينشده فقال:
من كان معتذرا من شتمه عمرا ... فابن النّجاشيّ منه غير معتذر
وابن النجاشي براء - غير محتشم - ... في دينه من أبي بكر ومن عمر
ثم أنشده قوله:
إحداهما [4] نمّت عليه حديثه ... وبغت [5] عليه نفسه إحداهما
فهما اللتان سمعت ربّ محمد ... في الذكر قصّ على العباد نباهما [6]
فقال: أبو هاشم؟ فقال نعم. قال: ارتفع. فحمله وأجازه، وقال: واللّه لأصدّقنّ قولك في جميع ما حلفت عليه.
أباح له أبو بجير شرب النبيذ:
قال إسماعيل: رأى أبو بجير السيّد متغيّر اللّون، فسأله عن حاله؛ فقال: فقدت الشراب الذي ألفته لكراهة الأمير إيّاه؛ قال: فاشربه، فإنّنا نحتمله لك. قال: ليس عندي. قال لكاتبه: اكتب له بمائتي دورق ميبختج [7] . فقال له السيّد: ليس هذا من البلاغة. قال: وما هي؟ قال: البلاغة أن تأتي من الكلام بما يحتاج إليه وتدع ما يستغنى عنه. قال: وكيف ذلك؟ قال: اكتب بمائتي دورق «مي» ولا تكتب «بختج» ، فإنك تستغني عنه. فضحك، ثم أمر فكتب له بذلك. قال: والمي: النبيذ.
[1] يقال: فلان ينحت أثلة فلان إذا ذمه وتنقصه.
[2] في الأصول: «اعمل» باللام وهو تحريف.
[3] كذا في ح. وفي ب، س: «و كان يعرف باسمه إلخ» . وفي سائر النسخ: «و كان يعرض باسمه إلخ» وكلاهما تحريف.
[4] لعله يعني بهذا الشعر حفصة وعائشة، وذلك أن حفضة وجدت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أم إبراهيم (جاريته مارية) في يوم عائشة الذي خصصه لها، فأمرها أن تكتم الأمر على أن يحرّم مارية، فأفشت حفصة ذلك إلى عائشة، فعلم به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعرّف حفصة فقالت له: من أخبرك به؟ فقال: نبأني به العليم الخبير. فآلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من نسائه شهرا. فأنزل اللّه تبارك وتعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ
وقد وردت هذه القصة بروايات أخر فانظرها (في «أسباب النزول» للواحدي ص 327 وغيره من «كتب التفسير» ) .
[5] كذا في الأصل.
[6] يريد سورة التحريم وقد قص اللّه فيها سبحانه وتعالى هذه القصة.
[7] ميبختج: كلمة فارسية مركبة من لفظين: «مي» ومعناها النبيذ، كما سيذكره المؤلف، و «بختج» أي مطبوخ.