الطّثرية في السجن حتى انصرف عقبة بن شريك من مكة، فأرسل ابن الكميت في مخاضه [1] مستقبلة الرّبيع وهي حاضرة العقيق، تأكل الغضى وتشرب بأحسائه [2] ، وانحدر عقبة نحو اليمامة وعليها المهاجر بن عبد اللّه الكلابيّ.
فلمّا ضاقت بابن الطّثريّة المخارج قال له صاحب له: لا أعلم لك أنجى إن قدرت على الخروج من السجن إلا أن تركب ابن الكميت فينجيك نحو بلد من البلاد. فلم يزل حتى جعل للحدّاد [3] ، على أن يرسله ليلة إلى ابن عمّه، جعلا؛ فشكا إليه وجده/ بها فأرسله. فمضى يزيد نحو الإبل عشاء فاحتكم ابن الكميت حتى جلس عليه فوجهه قصد اليمامة يريد عقبة بن شريك؛ وقال في طريقه:
لعمري إن ابن الكميت على الوجا [4] ... وسيري خمسا بعد خمس مكمّل
/ لطلق الهوادي بالوجيف إذا ونى ... ذوات البقايا [5] والعتيق الهمرجل
فورد اليمامة فأناخ بابن الكميت على باب المهاجر [6] ، فكان أوّل من خرج عليه عقبة بن شريك. فلما نظر إليه عرفه وعرف الجمل فقال: ويحك! أيزيد أنت؟ قال نعم وهذا ابن الكميت؟ قال نعم قال: ويحك!. فما شأنك؟ قال: يا عقبة، فارّ منك إليك؛ وأنشده قصيدته التي يقول فيها:
يا عقب قد شذب اللّحاء عن العصا ... عنّي وكنت مؤزّرا محمودا
صل لي جناحي واتّخذني [7] عدّة ... ترمي بي المتعاشي الصّنديدا
فقال له عقبة - وكانت من خير فعلة علمناه فعلها -: أشهدكم أنّي قد أبرأته من دين البربريّ وأن له ابن الكميت؛ وأمره أن يحتكم فيما سوى ذلك من ماله. وهذان البيتان من القصيدة التي أوّلها:
أمسى الشباب مودّعا محمودا وهي من جيّد شعره، يقول فيها:
ومدلّة [8] عند التبذّل [9] يفتري [10] ... منها الوشاح [11] مخصّرا أملودا
/ نازعتها غنم الصّبا إنّ الصّبا ... قد كان منّي للكواعب عيدا
يا للرّجال وإنما يشكو الفتى ... مرّ الحوادث أو يكون جليدا
[1] المخاض: الحوامل من النوق.
[2] الأحساء جمع واحده الحسى وهو سهل من الأرض يستنقع فيه الماء.
[3] الحدّاد: السجان.
[4] الوجا: أن يشتكي البعير باطن خفه.
[5] ذوات البقايا من الخيل: التي يبقى جريها بعد انقطاع جري الخيل. والعتيق: الرائع: والهمرجل: السريع.
[6] في الأصول: «على باب ابن المهاجر» .
[7] في الأصول: «و اتخذ لي» .
[8] في ب، س: «و مدله» . وفي سائر الأصول: «و مذلة» . وكلاهما تصحيف.
[9] كذا في أ، ء، م. والتبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة. وفي سائر الأصول: «التبدل» . بالدال المهملة، وهو تصحيف.
[10] يفتري: يريد به يكسو، والأصل في معنى الافتراء: لبس الفروة.
[11] الوشاح: شبه قلادة ينسج من أديم عريض يرصع بالجوهر تشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها مخالفا بينهما. والمخصر: الدقيق الضامر. والأبلود: الناعم الغض.