فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 6876

يا عين

جودي بالدّموع السّفاح [1] ... وابكي على قتلى قريش البطاح [2]

/فاستحسن الناس ذلك منه، وكان أوّل ما ندب [3] به.

قال ابن جامع: وحدّثني جماعة من شيوخ أهل مكة أنهم حدّثوا: أنّ سكينة بنت الحسين عليهما السّلام بعثت إلى ابن سريج بشعر أمرته أن يصوغ فيه لحنا يناح به، فصاغ فيه، وهو الآن داخل في غنائه. والشعر:

يا أرض ويحك أكرمي أمواتي ... فلقد ظفرت بسادتي وحماتي

فقدّمه ذلك عند أهل الحرمين على جميع ناحة مكة والمدينة والطائف.

قال وحدّثني ابن جامع وابن أبي الكنّات [4] جميعا: أن سكينة [5] بعثت إليه بمملوك لها يقال له عبد الملك، وأمرته أن يعلّمه النّياحة، فلم يزل يعلّمه مدّة طويلة، ثم توفّي عمّها أبو القاسم محمد بن الحنفيّة عليه السّلام، وكان ابن سريج عليلا علّة صعبة فلم يقدر على النّياحة. فقال لها عبدها عبد الملك: أنا أنوح لك نوحا أنسيك به نوح ابن سريّج. قالت: أو تحسن ذاك؟ قال نعم. فأمرته/ فناح؛ فكان نوحه في الغاية من الجودة، وقال النساء: هذا نوح غريض؛ فلقّب عبد الملك الغريض. وأفاق ابن سريج من علّته بعد أيام وعرف خبر وفاة ابن الحنفيّة، فقال لهم:

فمن/ ناح عليه؟ قالوا: عبد الملك غلام سكينة. قال: فهل جوّز [6] الناس نوحه؟ قالوا: نعم وقدّمه بعضهم عليك. فحلف ابن سريج ألّا ينوح بعد ذلك اليوم، وترك النوح وعدل إلى الغناء، فلم ينح حتى ماتت حبابة [7] ،

[1] السفاح: جمع سافح من سفح الدمع سفحا وسفوحا وسفحانا: انصبّ. ويقال أيضا: سفحت العين الدمع سفحا وسفوحا، إذا أرسلته.

[2] البطاح: جمع بطحاء. والبطحاء: مسيل فيه دقاق الحصى. وقريش البطاح كما قال ابن الأعرابي: الذين ينزلون الشعب بين أخشبي مكة، وقريش الظواهر: الذين ينزلون خارج الشعب، وأكرمهما قريش البطاح. وقال الزبير بن أبي بكر: قريش البطاح بنو كعب بن لؤيّ، وقريش الظواهر ما فوق ذلك، سكنوا البطحاء والظواهر. وقبائل بني كعب منهم عديّ وجمح وسهم وتيم ومخزوم وزهرة وأسد وعبد مناف، كل هؤلاء قريش البطاح. وأما قريش الظواهر فهم بنو عامر بن لؤيّ؛ وإنما سموا بذلك لأن قريشا اقتسموا فأصاب الأوّلون البطحاء وأصاب الآخرون الظواهر. فهذا تعريف للقبائل لا للمواضع، فإن البطحاويين لو سكنوا الظواهر كانوا بطحاويين، وكذلك الظواهر لو كانوا سكنوا البطحاء كانوا ظواهر. وقد جمعا معا في قول الشاعر:

فلو شهدتني من قريش عصابة ... قريش البطاح لا قريش الظواهر

وقد قيل بصيغة الجمع وليس في مكة إلا بطحاء واحدة، لأن العرب تتوسع في كلامها وشعرها فتجعل الواحد جمعا ومثنى، وينقلون الألقاب ويغيرونها لتستقيم لهم الأوزان، قال أبو تمام يمدح الواثق:

يسمو بك السفاح والمنصور وال ... مهديّ والمعصوم والمأمون

وأراد بالمعصوم المعتصم. وقال ابن نباته:

فأقام باللورين حولا كاملا ... يترقب القدر الذي لم يقدر

وما في البلاد إلا اللور المعروفة. وإذا صح بإجماع أهل اللغة أن البطحاء الأرض ذات الحصى، فكل قطعة من تلك الأرض بطحاء.

(انظر «ياقوت» في مادة البطاح و «ديوان» أبي تمام طبع مصر ص 330) .

[3] كذا في ب، س، ح، ر. وفي سائر النسخ: «فكان أوّل ما قدّم به» .

[4] لم نعثر على ضبطه، وقد ورد ذكره في نهاية «الأرب» للنويري في الجزء الرابع في ترجمته: «الكبات» بالباء. والكنة: زوج الابن أو الأخ. وستأتي ترجمته في الجزء السابع عشر من «الأغاني» .

[5] تقدم في ص 211 من هذا الجزء: أن الثريا بنت عليّ بن عبد اللّه بن الحارث هي التي ربّت الغريض المغنّي وعلمته النوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرّة.

[6] أي أساغوا له ذلك وارتضوه.

[7] ضبط في «الكامل» لابن الأثير طبع بولاق جزء 5 صفحة 50 سطر 3 بتخفيف الباء الموحدة، إذ يقول: سلامة بتشديد اللام، وحبابة بتخفيف الباء الموحدة، وذلك في ذكره لسيرة يزيد بن عبد الملك. وفي ترجمة حبابة في الجزء الثالث عشر من «الأغاني» شعر يدل -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت