أخذ مصدق للنعمان إبلا لديهث فاستجارت بالحارث فردها إليها:
قال: فأمّنه النعمان، وأقام حينا. ثم إنّ مصدّقا للنّعمان أخذ إبلا لامرأة من بني مرّة يقال لها ديهث؛ فأتت الحارث فعلّقت دلوها بدلوه ومعها بنيّ لها، فقالت: أبا ليلى! إني أتيتك مضافة [1] . فقال الحارث: إذا أورد القوم النّعم فنادي بأعلى صوتك:
دعوت باللّه ولم تراعي ... ذلك راعيك فنعم الرّاعي [2]
وتلك ذود الحارث الكساع [3] ... يمشي لها بصارم قطّاع
يشفي به [4] مجامع الصّداع
وخرج الحارث في أثرها يقول:
أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب [5] ... كم قد أجرنا من حريب محروب
وكم رددنا من سليب مسلوب ... وطعنة طعنتها بالمنصوب
ذاك جهيز الموت عند المكروب
ثم قال لها: لا تردنّ عليك ناقة ولا بعير تعرفينه إلا أخذتيه ففعلت؛ فأتت على لقوح لها يحلبها حبشيّ، فقالت: يا أبا ليلى! هذه لي. فقال الحبشيّ: كذبت. فقال الحارث: أرسلها لا أمّ لك! فضرط الحبشيّ. فقال الحارث: «است الحالب أعلم» ، فسارت مثلا. قال أبو عبيدة: ففي ذلك يقول في الإسلام الفرزدق:
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث ... وصرمته [6] كالمغنم المتنهّب
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم ... وكان متى ما يسلل السّيف يضرب
وما كان جارا غير دلو تعلّقت ... بحبلين في مستحصد [7] القدّ مكرب
خروج الحارث إلى صديق من كندة:
قال أبو عبيدة حدّثني أبو محمد عصام العجليّ قال: فلمّا قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر في جوار الملك خرج هاربا حتى أتى صديقا له من كندة يحلّ شعبي - قال: شعبي غير ممدود - فلمّا ألحّ الأسود [8] في طلب
[1] مضافة: ملجأة.
[2] في «الأصول» :
ذلك داعيك فنعم الداعي
بالدال. والتصويب للمرحوم الشنقيطي في نسخته. وسيأتي هذا الشطر بعد قليل في رجز آخر صحيحا.
[3] الكسع: الضرب على الدبر؛ يقال: ولي القوم فكسعهم بالسيف، إذا اتبع أدبارهم فضربهم به.
[4] في «الأصول» : «بها» ومرجع الضمير السيف الصارم في الشطر الذي قبل هذا الشطر.
[5] المعلوب: اسم سيف له.
[6] الصرمة هنا: القطعة من الإبل.
[7] في «ديوان» الفرزدق (نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2605 أدب) : «في مستحصد الحبل» .
والمستحصد: الذي أحكم فتله. والمكرب: المشدود بالكرب (بالتحريك) وهو حبل يشد على عراقي الدلو ثم يثنى ويثلث. وفي «ديوان» الفرزدق: «و المكرب العقد الذي على عرقوه الدلو» .
[8] راجع الهامشة 3 صفحة 95 من هذا الجزء.