فهرس الكتاب

الصفحة 2989 من 6876

كان الوليد بن طريف الشّيبانيّ رأس الخوارج وأشدّهم بأسا وصولة وأشجعهم؛ فكان من بالشّمّاسيّة [1] لا يأمن طروقه [إياه] [2] ، واشتدّت شوكته وطالت أيّامه. فوجّه إليه/ الرشيد يزيد بن مزيد الشّيبانيّ، فجعل يخاتله ويماكره. وكانت البرامكة منحرفة عن يزيد بن مزيد، فأغروا به أمير المؤمنين، وقالوا: إنما يتجافى عنه للرّحم، وإلّا فشوكة الوليد يسيرة، وهو يواعده وينتظر ما يكون من أمره. فوجّه إليه الرشيد كتاب مغضب يقول فيه: «لو وجّهت بأحد الخدم لقام بأكثر مما تقوم به، ولكنّك مداهن متعصّب. وأمير المؤمنين يقسم باللّه لئن أخّرت مناجزة الوليد ليوجّهنّ إليك من يحمل رأسك إلى أمير المؤمنين» . فلقي الوليد عشيّة خميس في شهر رمضان. فيقال: إنّ يزيد جهد عطشا حتى رمى بخاتمه في فيه، فجعل يلوكه ويقول: اللّهمّ إنّها [3] شدّة شديدة فاسترها. وقال لأصحابه: فداكم أبي وأمّي، إنما هي الخوارج ولهم حملة، فاثبتوا لهم تحت التّراس [4] ، فإذا انقضت حملتهم فاحملوا؛ فإنّهم إذا انهزموا لم يرجعوا. فكان كما قال، حملوا حملة وثبت يزيد ومن معه من عشيرته وأصحابه، ثم حمل عليهم فانكشفوا. ويقال: إنّ أسد بن يزيد كان شبيها بأبيه جدّا؛ وكان لا يفصل بينهما إلّا المتأمّل، وكان أكثر ما يباعده منه ضربة في وجه يزيد تأخذ من قصاص شعره [5] ومنحرفة على جبهته؛ فكان أسد يتمنّى مثلها. فهوت له ضربة فأخرج وجهه من التّرس فأصابته في ذلك الموضع. فيقال: إنّه لو خطّت على مثال ضربة أبيه ما عدا [6] ، جاءت كأنّها هي. واتبع يزيد الوليد بن طريف فلحقه بعد مسافة بعيدة فأخذ رأسه. وكان الوليد خرج إليهم حيث خرج وهو يقول:

أنا الوليد بن طريف الشّاري ... قسورة لا يصطلى بناري

جوركم أخرجني من داري

خرجت أخته لتثأر له فزجرها يزيد بن مزيد

فلمّا وقع فيهم السّيف وأخذ رأس الوليد، صبّحتهم [7] أخته ليلى بنت طريف مستعدّة عليها الدّرع والجوشن، فجعلت تحمل على الناس فعرفت. فقال يزيد: دعوها، ثم خرج إليها فضرب بالرّمح قطاة [8] فرسها، ثم قال اغربي غرّب اللّه عليك [9] ! فقد فضحت العشيرة؛ فاستحيت وانصرفت وهي تقول:

/أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنّك لم تحزن على ابن طريف

فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ... ولا المال إلّا من قناّ وسيوف

[1] الشماسية: محلّة كانت قريبة من بغداد.

[2] زيادة في ف.

[3] في ف: «ليلة شديدة» .

[4] التراس: جمع ترس (بالضم) ، وهو صفحة من الفولاذ مستديرة تحمل للوقاية من السيف ونحوه.

[5] في ط، ف: «شعره منحرفة» بدون الواو.

[6] ما عدا، أي ما جاوز خط ضربته مثال ضربة أبيه. وقوله. «جاءت كأنها هي» بيان لقوله: «ما عدا» .

[7] في ح و «معاهد التنصيص» : «صحبتهم» .

[8] قطاة الفرس: عجزها أو مقعد الرديف منها.

[9] كذا في ط و «معاهد التنصيص» . وفي ب، س: «غرب اللّه عينيك» . وفي «الكامل» : «اعزبي عزب اللّه عليك» بالزاي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت