فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
سكن الناس بالظّواهر منها ... وتبوّا لنفسه بطحاها [1]
قال إسحاق: ولمّا تزوّج الرشيد زوجته العثمانيّة أعجب بها، فكان كثيرا ما يتمثّل بهذه الأبيات.
العرجي وأبو عدي العبلي
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال:
/ حدّثت أنّ أبا عديّ العبليّ خرج يريد واديا نحو الطائف يقال له جلدان [2] ، فمرّ بعبد اللّه بن عمر العرجيّ وهو نازل هناك بواد يقال له العرج، فأرسل إليه غلاما له فأعلمه بمكانه، فأتاه الغلام فقال له: هذا أبو عديّ، فأمر أن ينزله في مسجد الخيف [3] ، فأنزله وأبطأ عليه في الخروج. فقال للغلام: ويحك! ما يحبس مولاك؟ قال: عنده ابن وردان مولى معاوية، وهما يأكلان القسب [4] والجلجلان [5] . ثم بعث إليه بخبز ولبن، وبعث لرواحله بحمض [6] وقدّم إلى رواحل ابن وردان القتّ [7] والشّعير. فكتب أليه أبو عديّ:
أبا عمر لم تنزل الركب إذ أتوا ... منازلهم والرّكب يحفون [8] بالرّكب
رفعت لئام الناس فوق كرامهم ... وآثرتهم بالجلجلان والقسب
فأمّا بعيرانا فبالحمض غذّيا [9] ... وأوثر عبّاد بن وردان بالقضب [10]
فكتب إليه العرجيّ:
أتانا فلم نشعر به غير أنّه ... له لحية طالت على حمق القلب
/ كراية بيطار [11] بأعلى حديدة [12] ... إذا نصبت لم تكسب الحمد بالنّصب
أتانا على سغب [13] يعرّض بالقرى ... وهل فوق قرض من قرى صاحب السّغب
قال: فارتحل أبو عديّ مغضبا وقال: مزحت معه فهجاني، وأنشأ يقول في العرجيّ:
[1] انظر الكلام على قريش الظواهر وقريش البطاح في الحاشية رقم 3 ص 254 من هذا الجزء.
[2] قال ياقوت: جلدان - بكسر الجيم وسكون اللام، واختلف في الدال فمنهم من رواها مهملة ومنهم من رواها معجمة -: موضع قرب الطائف يسكنه بنو نصر بن معاوية من هوزان.
[3] كذا في ب، س، ح. والظاهر من سياق الحكاية أنه غير مسجد الخيف المعروف بمنى. وفي سائر النسخ: «الضيف» ولم تترجح عندنا إحدى الروايتين.
[4] القسب: التمر اليابس يتفتت في الفم صلب النواة.
[5] الجلجلان: السمسم.
[6] الحمض: ما ملح وأمرّ من النبات وهو كفاكهة الإبل تأكله عند سآمتها من الخلة. وهي ما حلا من النبات.
[7] في «المصباح» : القت: الفصفصة إذا يبست. وقال الأزهري: القت: حب بريّ لا ينبته الآدمي، فإذا كان عام قحط وفقد أهل البادية ما يقتاتون به من لبن وتمر ونحوه، دقوه وطبخوه واجتزءوا به على ما فيه من الخشونة.
[8] حفي به يحفى حفاوة وحفاية: بالغ في إكرامه.
[9] في ت، أ، م، ء: «ففي الحمض عديا» .
[10] تقدّم أن الذي قدّم لرواحل ابن وردان هو القت والشعير. فلعله يريد بالقضب هنا القت وهو أحد معانيه؛ لأن أهل مكة يسمون القت القضب.
[11] البيطار: معالج الدواب، من البطر وهو الشقّ. وراية البيطار يضرب بها المثل في الشهرة فيقال: «أشهر من راية البيطار» .
[12] في ح: «جريدة» .
[13] السغب بسكون الغين وتحريكها: الجوع. وفي ت، أ، ء، م: «سقب» بالقاف وهو تحريف.