قال: فأومأ إلى صاحب الستارة أن أمسك، ووضع يده على عينه كأنه يومىء إليّ أنه يبكي، قال: فأمسكت ثم انصرفنا [1] ، فقال لي ابن جامع: ما صبّ أمير المؤمنين/ على ابن جعفر؟ قلت: صبه اللّه عليه لبدرة الدنانير التي أخذتها. قال ثم حضر بعد ذلك، فلما اطمأنّ بنا مجلسنا قال ابن جامع بكلام خفيّ: اللهم أنسه ذكر ابن جعفر، قال فقلت: اللهم لا تستجب، فقال صاحب الستارة: يا بن جامع تغنّ في شعر عبد اللّه بن معاوية، قال: فقال ابن جامع: لو كان عندهم في عبد اللّه بن معاوية خير لطار مع أبيه [2] ولم يقبل على الشعر، قال إبراهيم: فسمعنا ضحكة من وراء الستارة. قال إبراهيم فاندفعت أغني في شعره:
صوت
سلا ربّة الخدر ما شأنها ... ومن أيّما شأننا تعجب؟
فلست بأوّل من فاته ... على إربه [3] بعض ما يطلب
وكائن تعرّض من خاطب ... فزوّج غير التي يخطب
وأنكحها [4] بعده غيره ... وكانت له قبلة تحجب
وكنا جديثا صفيّين لا ... نخاف الوشاة وما سبّبوا
فإن شطّت الدار عنّا بها ... فبانت وفي الناس مستعتب [5]
وأصبح صدع الذي بيننا ... كصدع الزجاجة ما يشعب [6]
وكالدّرّ [7] ليست له رجعة ... إلى الضّرع من بعد ما يحلب
غنى في البيتين الأوّلين إبراهيم الموصليّ خفيف ثقيل الأوّل بالوسطى من رواية أحمد بن يحيى المكّيّ ووجدتهما في بعض الكتب خفيف رمل غير منسوب. قال: فقال/ لي صاحب الستارة: أعد فأعدته، فأحسب أمير المؤمنين نظر إلى ابن جامع كاسف البال، فأمر له بمثل الذي أمر لي بالأمس، وجاءوني ببدرة دنانير فوضعت تحت فخذي اليسرى أيضا، وكان ابن جامع فيه حسد ما يستتر منه، فلما انصرفنا قال: اللهم أرحنا من ابن جعفر هذا، فما أشدّ بغضي له، لقد بغّض إليّ جدّه، فقلت: ويحك! تدري ما تقول! قال: فمن يدري ما يقول؟ إذا لوددت أني لم أر إقباله عليك وعلى غنائك في شعر هذا البغيض ابن البغيضة، وأني تصدّقت بها - يعني البدرة.
وهذا الصوت الأخير يقول شعره عبد اللّه بن معاوية في زوجته أم زيد بنت زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام.
[1] كذا في ف، وفي سائر الأصول: «ثم انصرفت» .
[2] يريد جدّه جعفر بن أبي طالب وكان يلقب بالطيار وبذي الجناحين لأنه قاتل يوم موته حتى قطعت يداه فقتل. فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إن اللّه قد أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء.
[3] الإرب: العقل والدهاء.
[4] أنكحها: زوّجها.
[5] شطت: بعدت. مستعتب. استرضاء.
[6] يشعب: يصلح.
[7] الدر هنا: اللبن.