فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
للعرجيّ، وكان/ فأفاء، فوقف عليه فأراد أن يتوجّع لما ناله ويدعو له، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء [1] . فقال له ابن غرير: عنّي، لا خرجت من فيك أبدا! فقال له الرجل: فمكانك [2] إذا لا برحت منه أبدا.
قال: ومرّ به صبيان يلقطون النّوى، فوقفوا ينظرون إليه، فالتفت إلى ابن غرير وقال له: ما أعرف في الدنيا سخلين أشأم منّي ومنك! إنّ هؤلاء الصّبيان لأهلهم عليهم في كلّ يوم على كلّ واحد منهم مدّ نوى، فقد تركوا لقطهم للّنوى، وقد وقفوا ينظرون إليّ وإليك وينصرفون بغير شيء فيضربون، فيكون شؤمنا قد لحقهم.
قال: وقال العرجيّ في حبسه:
صوت
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد [3] ثغر
وصبر [4] عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنّتها بنحري
أجرّر في الجوامع [5] كلّ يوم ... فيا للّه مظلمتي [6] وصبري [7]
كأنّي لم أكن فيهم وسيطا [8] ... ولم تك نسبتي في آل عمرو [9]
أبو حنيفة وجار له كان يغني بشعر العرجيّ
أخبرني محمد بن زكريّا الصّحّاف [10] قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ عن الأصمعيّ قال:
/ كان لأبي حنيفة جار بالكوفة يغنّي، فكان إذا انصرف وقد سكر يغنّي في غرفته، ويسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه. وكان كثيرا ما يغنّي:
أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فلقيه العسس ليلة [11] فأخذوه وحبس. ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه من غد فأخبر، فدعا بسواده [12]
[1] كذا في أكثر النسخ. وفي ب، س: «الفأفاءة» ولعل التاء زيدت فيه للمبالغة.
[2] في ت: «مكانك» من غير فاء.
[3] سداد الثغر بالكسر: ما يسد به الثغر من خيل ورجال وغير ذلك من عدد الحرب.
[4] في ت: «فصبرا عند معترك المنايا» .
[5] الجوامع: جمع جامعة وهي هنا الغل.
[6] المظلمة بكسر اللام: الظلم.
[7] الصبر: الحبس.
[8] يقال: فلان وسيط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا.
[9] يريد عمرو بن عثمان بن عفان.
[10] الصحاف كشدّاد: بائع الصحف أو الذي يعملها.
[11] العسس: جمع عاسّ، وهو الذي يطوف بالليل يحرس الناس ويكشف أهل الريبة.
[12] كان السواد شعارا لبني العباس، وكان أشياعهم يرتدونه؛ ولذلك سمّوا المسوّدة (بكسر الواو المشدّدة) . وقد روى أبو الفرج في الجزء التاسع من «الأغاني» ، طبع بلاق، في أخبار أبي دلامة ونسبه أن أبا جعفر المنصور أمر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، وأن يعلقوا السيوف في المناطق ويكتبوا على ظهورهم: « (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
فدخل عليه أبو دلامة في هذا الزي، فقال له أبو جعفر: ما حالك؟ قال: شرّ حال، وجهي في نصفي وسيفي في استي وكتاب اللّه وراء