الحرب، ولا هو بأفضلنا شعبا، ولا أصدقنا ودا، ولا أشرفنا أبا، ولا أفصحنا لسانا! فقال له المهلب: أما إنّي واللّه ما جهلت شيئا مما قلت، وإن الأمر فيكم عندي لمتساو، ولكنّ زيادا يكرم لسنّه وشعره وموضعه من قومه، وكلّكم كذلك عندي، وما فضلته بما ينفس [1] به، وأنا أعوّضكم بعد هذا بما يزيد على ما فضلته به. فانصرف، وبلغ زيادا ما كان منه، فقال يهجوه:
أرى كلّ قوم ينسل اللؤم عندهم ... ولؤم بني حبناء ليس بناسل [2]
يشبّ مع المولود مثل شبابه ... ويلقاه مولودا بأيدي القوابل
ويرضّعه من ثدي أمّ لئيمة ... ويخلق من ماء امرىء غير طائل [3]
تعالوا فعدّوا في الزمان الّذي مضى، ... وكل أناس مجدهم بالأوائل
لكم بفعال يعرف الناس فضله ... إذا ذكر الأملاء عند الفضائل [4]
فغازيكم في الجيش الأم من غزا ... وقافلكم في الناس ألأم قافل [5]
وما أنتم من مالك غير أنكم ... كمغرورة بالبوّ في ظل باطل [6]
بنو مالك زهر الوجوه وأنتم ... تبّين ضاحي لؤمكم في الجحافل [7]
يعني برصا كان بالمغيرة بن حبناء.
/ أخبرني عبيد اللّه بن محمّد الرازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدّثني المدائني قال:
عيّر زياد الأعجم المغيرة بن حبناء في مجلس المهلّب بالبرص، فقال له المغيرة إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح [8] ، ولا تعير بالغرر والحجول، وقد قال صاحبنا بلعاء بن قيس لرجل عيّره بالبرص: «إنما أنا سيف اللّه جلاه واستلّه على أعدائه» فهل تغني يا ابن العجماء غنائي، أو تقوم مقامي؟ ثم نشب الهجاء بينهما.
نسخت من نسخة ابن الأعرابي، قال: كان المغيرة بن حبناء يوما يأكل مع المفضّل بن المهلّب، فقال له المفضل:
فلم أر مثل الحنظليّ ولونه ... أكيل كرام أو جليس أمير
فرفع المغيرة يده وقام مغضبا، ثم قال له:
إني امرؤ حنظليّ حين تنسبني ... لام [9] العتيك ولا أخوالي العوق [10]
-العوق من يشكر، وكانوا أخوال المفضل -
[1] ينفس به: يحسد عليه.
[2] ينسل: من قولهم نسل ريش الطائر: سقط.
[3] يقال للخسيس الدون: ما هو بطائل.
[4] الأملاء: جمع ملأ، وهم الأشراف الذين يملئون العين.
[5] القافل: الراجع، وسميت القافلة وهي ذاهبة قافلة تيمنا برجوعها.
[6] كمغرورة بالبو: أي مخدوعة بالجلد الّذي يحشى تبنا فتحن له. والمراد أن هذه القبيلة تنوهم أن نسبها إلى مالك نسب حقيقي.
[7] أراد بالجحافل الشفاه، جمع جحفلة. وأصل الجحفلة للخيل والحمر والبغال.
[8] الأوضاح: جمع وضح: التحجيل في القوائم بالبياض.
[9] لام العتيك: لا من العتيك. انظر «الحيوان» (5: 165) .
[10] العتيك والعوق: قبيلتان.