فهرس الكتاب

الصفحة 3251 من 6876

إسحاق بن إبراهيم يعارض العتابي

فاشتبه على المأمون قوله، فنظر إلى إسحاق مستفهما، فأومأ إليه، وغمزه على معناه [1] حتّى/ فهم، فقال:

يا غلام، ألف دينار! فأتي بذاك، فوضعه بين يدي العتّابي، وأخذوا في الحديث، وغمز المأمون إسحاق بن إبراهيم عليه، فجعل العتابي/ لا يأخذ في شيء إلّا عارضه فيه إسحاق، فبقي العتّابيّ متعجّبا، ثم قال: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في سؤال هذا الشيخ عن اسمه؟ قال: نعم، سل. فقال لإسحاق: يا شيخ من أنت؟ وما اسمك؟ قال: أنا من الناس، واسمي كل بصل. فتبسم العتابي وقال: أمّا أنت فمعروف، وأما الاسم فمنكر. فقال إسحاق: ما أقل إنصافك، أتنكر أن يكون اسمي كل بصل؟ واسمك كل ثوم، وكل ثوم من الأسماء، أو ليس البصل أطيب من الثّوم؟

فقال له العتّابي: للّه درّك، ما أحجّك [2] ، أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أصله بما وصلتني به؟ فقال له المأمون:

بل ذلك موفّر عليك ونأمر له بمثله.

مصادقة العتابي لإسحاق

فقال له إسحاق: أمّا إذا أقررت بهذا، فتوهّمني تجدني، فقال: ما أظنّك إلا إسحاق الموصليّ، الّذي تناهى إلينا خبره، قال: أنا حيث ظننت. وأقبل عليه بالتحيّة والسلام، فقال المأمون، وقد طال الحديث بينهما: أمّا إذ قد اتّفقتما على المودّة، فانصرفا متنادمين. فانصرف العتّابي إلى منزل إسحاق فأقام عنده.

إعجاب عبد اللّه بن طاهر بشعر العتابي

وذكر أحمد بن طاهر أيضا أنّ مسعود بن عيسى العبديّ، حدّثه عن موسى بن عبد اللّه التميمي، قال: وفد إلى عبد اللّه بن طاهر جمع من الشّعراء، فعلم أنّهم على بابه، فقال لخادم له أديب: أخرج إلى القوم، وقل لهم: من كان منكم يقول كما قال العتّابيّ للرّشيد:

مستنبط عزمات القلب من فكر ... ما بينهن وبين اللّه معمور [3]

فليدخل، وليعلم أنّي إن وجدته مقصّرا عن ذلك حرمته، فمن وثق من نفسه أنه يقول مثل هذا فليقم. قال:

فدخلوا جميعا إلّا أربعة نفر.

جوائز الرشيد وسرور العتابي بما خلع عليه

أخبرني الحسن بن علي قال، حدّثنا محمّد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن سعد عن إبراهيم بن الحدين، قال: وجد [4] الرّشيد على العتّابي، فدخل سرّا مع المتظلّمين بغير إذن، فمثل بين يدي الرشيد، وقال له:

يا أمير المؤمنين، قد آذتني الناس لك ولنفسي فيك، وردّني ابتلاؤهم إلى شكرك، وما مع تذكّرك قناعة بغيرك، ولنعم الصّائن لنفسي كنت، لو أعانني عليك الصبر. وفي ذلك أقول:

أخضني المقام الغمر إن كان غرّني ... سنا خلّب أو زلّت القدمان [5]

أ تتركني جدب المعيشة مقترا ... وكفّاك من ماء الندي تكفان

وتجعلني سهم المطامع بعد ما ... بللت يميني بالنّدى ولساني

قال: فأعجب الرّشيد قوله، وخرج عليه الخلع، وقد أمر له بجائزة، فما رأيت العتّابي قطّ أبسط منه يومئذ.

[1] غمزه على معناه: أشار.

[2] ما أحجك: ما أكبر حجتك.

[3] المستنبط: المستخرج.

[4] وجد: غضب.

[5] الغمر: الماء الكثير. سنا حلب: ضوء البرق الّذي لا يعقبه مطر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت