فهرس الكتاب

الصفحة 3385 من 6876

له: كيف ترى هذا؟ فقال: هذا واللّه العيش وشبه الجّنة. قال: أنت الشريك فيه على شريطة إن وفيت بها وإلا انصرفت. قال: وما هي؟ قال: تشتم الملائكة وتنزل. فنفر التاجر وقال: قبح اللّه عشرتكم قد فضحتموني وهتكتموني. ومضى فلم يبعد حتى لقيه حمّاد عجرد فقال له: ما لي أراك نافرا جزعا؟ فحدثه حديثه. فقال: أساء مطيع - قبحه اللّه - وأخطأ، وعندي واللّه ضعف ما وصف لك؛ فهل لك فيه؟ فقال: أجل [1] ، بي واللّه إليه أعظم فاقة. قال: أنت الشريك فيه على أن تشتم الأنبياء فإنّهم تعبّدونا بكل أمر معنت متعب، ولا ذنب للملائكة فنشتمهم.

فنفر التاجر وقال: أنت أيضا فقبحك اللّه، لا أدخل! ومضى فاجتاز بيحيى بن زياد الحارثيّ فقال له: ما لي أراك يا أبا فلان مرتاعا؟ فحدثه بقصّته. فقال: قبحهما اللّه لقد كلّفاك شططا، وأنت تعلم أن مروءتي فوق مروءتهما، وعندي واللّه أضعاف ما عندهما، وأنت الشّريك فيه على خصلة تنفعك ولا تضرّك، وهي خلاف ما كلفاك إيّاه من الكفر.

قال: ما هي؟ قال: تصلي ركعتين تطيل ركوعهما وسجودهما، وتصليهما وتجلس، فنأخذ في شأننا، فضجر التاجر وتأفّف وقال: هذا شرّ من ذاك، أنا تعب ميّت، تكلّفني صلاة طويلة في غير برّ/ ولا لإطاعة يكون ثمنها أكل سحت [2] وشرب خمر وعشرة فجرة وسماع مغنيات قحاب. وسبّه وسبّهما ومضى مغضبا. فبعث خلفه غلاما وأمره بردّه، فردّه كرها، وقال: انزل الآن على ألا تصلّي اليوم بتة. فشتمه أيضا وقال: ولا هذا. فقال: انزل الآن كيف شئت وأنت ثقيل غير مساعد. فنزل عنده. ودعا يحيى مطيعا وحمادا، فعبثا بالتاجر ساعة وشتماه، ثم قدّم الطعام، فأكلوا وشربوا وصلّى التاجر الظهر والعصر، فلما دبّت الكأس فيه قال له مطيع: أيّما أحب إليك: تشتم الملائكة أو تنصرف؟ فشتمهم. فقال له حماد: أيما أحب إليك: تشتم الأنبياء أو تنصرف؟ فشتمهم. فقال له يحيى: أيما أحب إليك: تصلي ركعتين أو تنصرف؟ فقام فصلّى الركعتين، ثم جلس فقالوا له: أيما أحب إليك: تترك باقي صلاتك اليوم أو تنصرف؟ قال: بل أتركها با بني الزانية ولا أنصرف. فعمل كلّ ما أرادوه منه.

رأي المهدي في أخلاق مطيع

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمّد بن الفضل السّكوني قال:

رفع صاحب الخبر إلى المنصور أنّ مطيع بن إياس زنديق، وأنه يعاشر ابنه جعفرا وجماعة من أهل بيته، ويوشك أن يفسدوا أديانهم وينسبوا إلى مذهبه. فقال له المهدي: أنا به عارف، أمّا الزندقة فليس من أهلها، ولكنه خبيث الدين فاسق مستحلّ للمحارم. قال: فأحضره وانهه عن صحبة جعفر وسائر أهله. فأحضره المهدي وقال له:

يا خبيث يا فاسق، قد أفسدت أخي ومن تصحبه من أهلي، واللّه لقد بلغني أنهم يتقادعون [3] عليك، ولا يتمّ لهم سرور إلا بك، فقد/ غرّرتهم وشهّرتهم في الناس، ولو لا أني شهدت لك عند أمير المؤمنين بالبراءة مما نسبت إليه بالزندقة، لقد كان أمر بضرب عنقك. وقال للربيع: اضربه مائتي/ سوط واحبسه. قال: ولم يا سيدي؟ قال: لأنك سكّير خمّير [4] قد أفسدت أهلي كلّهم بصحبتك. فقال له: إن أذنت وسمعت احتججت. قال: قل. قال: أنا امرؤ شاعر، وسوقي إنما تنفق مع الملوك، وقد كسدت عندكم، وأنا في أيامكم مطّرح، وقد رضيت فيها مع سعتها للناس جميعا بالأكل على مائدة أخيك، لا يتبع ذلك عشيرة، وأصفيته على ذلك شكري وشعري، فإن كان ذلك عائبا عندك تبت منه. فأطرق، ثم قال: قد رفع إليّ صاحب الخبر أنك تتماجن على السّؤّال وتضحك منهم. قال: لا، واللّه ما ذلك من فعلي ولا شأني، ولا جرى مني قط إلا مرة؛ فإنّ سائلا أعمى اعترضني - وقد عبرت الجسر على بغلتي -

[1] في الأصول: «أشد» .

[2] السحت: ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار.

[3] التقادع: التهافت. وفي الأصول: «يتقارعون» تحريف.

[4] الخمير: الدائم الشرب للخمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت