عهد الشّباب لقد أبقيت لي حزنا ... ما جدّ ذكرك إلّا جدّ لي ثكل [1]
إنّ الشباب إذا ما حلّ رائده ... في منهل راد يقفو إثره أجل [2]
بكاؤه الشيب أيضا
قال ابن الوشّاء خاصّة: وما أساء [3] ولا قصّر عن الأولى، حيث يقول في هذا المعنى:
أبكي الشّباب لندمان وغانية ... وللمغاني وللأطلال والكثب [4]
وللصّريح وللآجام في غلس ... وللقنا السّمر والهنديّة القضب [5]
وللخيال الّذي قد كان يطرقني ... وللنّدامى وللذّات والطّرب [6]
يا صاحبا لم يدع فقدي له جلدا ... أضعت بعدك إنّ الدهر ذو عقب [7]
وقد أكون، وشعبانا معا، رجلا ... يوم الكريهة فرّاجا عن الكرب [8]
هجاؤه ابن حميد
أخبرني ابن عمّار عن العنزيّ قال:
كان محمّد بن حازم الباهليّ مدح بعض بني حميد فلم يثبه، وجعل يفتش شعره فيعيب فيه الشيء بعد الشيء، وبلغه ذلك فهجاه هجاء كثيرا شنيعا، منه قوله:
/عدوّاك المكارم والكرام ... وخلّك دون خلّتك اللّئام [9]
ونفسك نفس كلب عند زور ... وعقبى زائر الكلب التدام [10]
تهرّ على الجليس بلا احترام ... لتحشمه إذا حضر الطّعام [11]
/إذا ما كانت الهمم المعالي ... فهمّك ما يكون به الملام
[1] في الأصول: «نكل» بالنون وهو تصحيف.
[2] الرائد: المرسل في طلب الكلأ. ورادت الدابة ترود: رعت.
[3] في الأصول: «و لا قصد» وهو تحريف. وقوله «عن الأولى» أي عن القصيدة الأولى السابقة.
[4] المغاني: جمع مغنى، وهو المنزل.
[5] الصريخ: المستغيث. والآجام: جمع أجمة، وهي الشجر الكثير الملتف، أي وللصيد والقنص. والغلس: ظلمة آخر الليل، والقنا:
الرماح. والهندية: أي السيوف الهندية. والقضب: القاطعة.
[6] عدّد في الأبيات الثلاثة الأسباب الّتي من أجلها يبكي الشباب، وهي مظاهر الحياة والنشاط والقوة والمتعة.
[7] عقب: جمع عقبة بالضم، وهي النوبة.
[8] الكريهة: الحرب أو الشدة في الحرب، والنازلة.
[9] الخلة: الصديق للذكر والأنثى والواحد والجمع.
[10] الزور: الزائر. الالتدام في الأصل: ضرب النساء صدورهنّ ووجوههن في النياحة.
[11] هرير الكلب: صوته، وهو دون النباح. والحشمة بالكسر والضم: أن يجلس إليك الرجل فتؤذيه وتسمعه ما يكره، حشمه كضرب ونصر وأحشمه. وحشمه وأحشمه أيضا: أخجله؛ يقال للمنقبض عن الطعام: ما الّذي حشمك أو أحشمك، من الحشمة بالكسر وهي الاستحياء والانقباض؛ وحشمه وأحشمه كذلك: أغضبه. وفي ج «لتجمشه» بالجيم وهو خطأ، ويصح أن يكون «لتحشمه» بالحاء، يقال حمشه وأحمشه إذا أغضبه.