فهرس الكتاب

الصفحة 3556 من 6876

حدّثنا الحسن بن عليّ قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني أبو الشبل البرجمي قال: حضرت مجلس عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان، وكان إليّ محسنا، وعليّ مفضلا،/ فجرى ذكر البرامكة، فوصفهم الناس بالجود، وقالوا في كرمهم وجوائزهم وصلاتهم فأكثروا، فقمت في وسط المجلس، فقلت لعبيد اللّه: أيها الوزير، إني قد حكمت في هذا الخطب حكما نظمته في بيتي شعر لا يقدر أحد أن يردّه عليّ، وإنما جعلته شعرا ليدور ويبقى، فيأذن الوزير في إنشادهما قال: قل، فربّ صواب قد قلته، فقلت:

رأيت عبيد اللّه أفضل سوددا ... وأكرم من فضل ويحيى بن خالد

أولئك جادوا والزّمان مساعد ... وقد جاد ذا والدهر غير مساعد

فتهلّل وجه عبيد اللّه وظهر السرور فيه، وقال: أفرطت أبا الشّبل، ولا كلّ هذا، فقلت: واللّه ما حابيتك أيها الوزير، ولا قلت إلّا حقّا، واتبعني القوم في وصفه وتقريظه، فما خرجت من مجلسه إلا وعليّ الخلع، وتحتي دابّة [1] بسرجه ولجامه، وبين يديّ خمسة آلاف درهم.

قصته مع جاريتين

حدّثني الحسن قال: حدّثنا ابن مهرويه قال: حدّثني علي بن الحسن الشيباني قال: حدّثني أبو الشّبل الشاعر قال: كنت أختلف إلى جاريتين من جواري النخّاسين [2] كانتا تقولان الشعر، فأتيت إحداهما فتحدّثت إليها، ثم أنشدتها بيتا لأبي المستهلّ شاعر منصور بن المهديّ في المعتصم:

أقام الإمام منار الهدى ... وأخرس ناقوس عمّوريه [3]

/ثم قلت لها: أجيزي؛ فقالت:

كساني الميلك جلابيبه ... ثياب علاها بسمّورية [4]

ثم دعت بطعام فأكلنا، وخرجت من عندها، فمضيت إلى الأخرى، فقالت: من أين يا أبا الشبل؟ فقلت: من عند فلانة، قالت: قد علمت أنّك تبدأ بها - وصدقت، كانت أجملهما فكنت أبدأ بها - ثم قالت: أما الطعام فاعلم أنه لا حيلة لي في أن تأكله، لعلمي بأن تلك لا تدعك تنصرف أو تأكل. فقلت: أجل. قالت: فهل لك في الشراب؟

قلت: نعم، فأحضرته وأخذنا في الحديث، ثم قالت: فأخبرني ما دار بينكما؟ فأخبرتها، فقالت: هذه المسكينة كانت تجد البرد، وبيتها أيضا هذا الّذي جاءت به يحتاج إلى سمّورية، أفلا قالت:

فأضحى به الدّين مستبشرا ... وأضحت زنادهما واريه [5]

فقلت: أنت واللّه أشعر منها في شعرها، وأنت واللّه في شعرك فوق أهل عصرك. واللّه أعلم.

[1] تطلق الدابة على الذكر والأنثى.

[2] النخّاس: بيّاع الرقيق.

[3] عمّورية: بلد من بلاد الروم (الأناضول) فتحها المعتصم سنة 223 ه.

[4] سمورية: نسبة إلى سمور (و ياء النسب هنا مخففة) وسمّور: دابة تتخذ من جلدها فراء غالية الأثمان.

[5] ورى الزند كوعى وولى: خرجت ناره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت