أتبكي على ليلى [1] ونفسك باعدت ... مزارك من ليلى وشعباكما معا
قال: فنفرت الظباء، واندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته وحسن صوته وهو يقول:
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجع ... عليك [2] ولكن خلّ عينيك تدمعا [3]
معي كلّ غرّ قد عصى عاذلاته ... بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت ... إليه العيون الناظرات التطلّعا
قال: ثم سقط مغشيا عليه، فتمثّلت بقوله:
يا دار ليلى بسقط [4] الحيّ قد درست ... إلا الثّمام [5] وإلا موقد النّار
ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذا ... في موقف وقفته أو على دار
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها ... كما ينحّت [1] قدح [7] الشّوحط الباري
فرفع رأسه إليّ وقال: من أنت حيّاك اللّه؟ فقلت: أنا نوفل بن مساحق، فحيّاني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها؟ فأنشدني يقول:
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها ... عليّ يمينا جاهدا لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم ... أبي وأبوها خشّنت لي صدورها
على غير جرم غير أني أحبّها ... وأنّ فؤادي رهنها وأسيرها
قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني علي بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ
[1] كذا في جميع الأصول. وفي ترجمة الصمة القشيريّ في ج 5 ص 133 «أغاني» طبع بولاق: «حننت إلى ريا» .
[2] كذا في أغلب النسخ و «ديوان الحماسة» . وفي «تزيين الأسواق» : «إليك» .
[3] هذا البيت والأبيات الأربعة قبله أوردها المؤلف على هذا الترتيب في ترجمة الصمة القشيري على أنها الصّمة ثم قال: وهذه الأبيات تروى لقيس بن ذريح ويروى بعضها للمجنون، والصحيح في البيتين الأوّلين أنهما لقيس بن ذريح وروايتهما أثبت وقد تواترت الروايات بأنهما له من عدّة طرق، والأخر مشكوك فيها أهي للمجنون أم للصمة. وأورد أبو عليّ القالي هذه الأبيات الخمسة في جملة أبيات نسبها إلى الصمة القشيري. انظر ج 1 ص 190 «أمالي القالي» طبع دار الكتب المصرية.
[4] السقط مثلث السين: حيث انقطع معظم الرمل ورقّ.
[5] الثمام: نبت في البادية، كان العرب يسدّون به خصاص البيوت، وهو من النبات الذي لا يطول، ولهذا كانوا يقولون للشيء الذي لا يعسر تناوله: «هو على طرف الثمام» .
[6] كذا في جميع الأصول، ولم نجد في «كتب اللغة» التي بأيدينا «نحّت» هكذا مضعفا من هذه المادة، ولعلها ينجّب، يقال: نجّب الشجرة والعود إذا قشر ما عليهما من اللحاء.
[7] القدح: السهم. والشوحط: ضرب من النبع تتخذ منه القسيّ، وهو من أشجار الجبال.