فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 6876

فوقعت هند في نفس عديّ، فلبث حولا لا يخبر بذلك أحدا. فلما كان بعد حول وظنّت مارية أنّ هندا قد أضربت عمّا جرى وصفت لها بيعة دومة - وقال خالد بن كلثوم: بيعة توما [1] وهو الصحيح - ووصفت لها من فيها من الرواهب، ومن يأتيها من جواري الحيرة، وحسن بنائها وسرجها؛ وقالت لها: سلي أمّك الإذن لك في إتيانها، فسألتها ذلك فأذنت لها، وبادرت مارية إلى عديّ فأخبرته الخبر فبادر فلبس يلمقا [2] كان «فرخانشاه مرد» قد كساه إياه، وكان/ مذهبا لم ير مثله حسنا، وكان عديّ حسن الوجه، مديد القامة، حلو العينين، حسن المبسم، نقيّ الثّغر. وأخذ معه جماعة من فتيان الحيرة، فدخل البيعة؛ فلما رأته مارية قالت لهند: انظري إلى هذا الفتى! فهو واللّه أحسن من كلّ ما ترين من السرج وغيرها! قالت: ومن هو؟ قالت: عديّ بن زيد؛ قالت: أتخافين أن يعرفني إن دنوت منه لأراه من قريب؟ قالت: ومن أين يعرفك وما رآك قطّ من حيث يعرفك! فدنت منه وهو يمازح الفتيان الذين معه وقد برع عليهم بجماله، وحسن كلامه وفصاحته، وما عليه من الثياب، فذهلت لمّا رأته وبهتت [3] تنظر إليه. وعرفت مارية ما بها وتبيّنته في وجهها، فقالت لها: كلّميه، فكلّمته، وانصرفت وقد تبعته نفسها وهويته، وانصرف بمثل حالها. فلما كان الغد تعرّضت له مارية، فلما رآها هشّ لها، وكان قبل ذلك لا يكلّمها، وقال لها:

ما غدا بك؟ قالت: حاجة إليك، قال: اذكريها، فو اللّه لا تسأليني شيئا إلا أعطيتك إياه، فعرّفته أنها تهواه، وأن حاجتها الخلوة به على أن تحتال له في هند، وعاهدته على ذلك؛ فأدخلها حانوت خمّار في الحيرة ووقع عليها، ثم خرجت فأتت هندا، فقالت: أما تشتهين أن تري عديا؟ قالت: وكيف لي به؟ قالت: أعده مكان كذا وكذا في ظهر القصر وتشرفين عليه؛ قالت: افعلي، فواعدته إلى ذلك المكان، فأتاه وأشرفت هند عليه، فكادت تموت [4] ، وقالت: إن لم تدخليه إليّ هلكت. فبادرت الأمة إلى النعمان فأخبرته خبرها وصدقته، وذكرت أنها قد شغفت به، وأن سبب ذلك رؤيتها إياه في يوم الفصح، وأنه إن لم يزوّجها به افتضحت في أمره أو ماتت؛ فقال لها: ويلك! وكيف أبدؤه/ بذلك! فقالت: هو أرغب في ذلك من أن تبدأه أنت،/ وأنا أحتال في ذلك من حيث لا يعلم أنك عرفت أمره. وأتت عديّا فأخبرته الخبر، وقالت: ادعه، فإذا أخذ الشراب منه فاخطب إليه فإنه غير رادّك؛ قال: أخشى أن يغضبه ذلك فيكون سبب العداوة بيننا؛ قالت: ما قلت لك هذا حتى فرغت منه معه؛ فصنع عديّ طعاما واحتفل فيه، ثم أتى النعمان بعد الفصح بثلاثة أيام، وذلك في يوم الإثنين، فسأله أن يتغدّى عنده هو وأصحابه، ففعل. فلما أخذ منه الشراب خطبها إلى النعمان، فأجابه وزوّجه وضمّها إليه بعد ثلاثة أيام.

ترهب هند بعد قتل عديّ

قال خالد بن كلثوم: فكانت [5] معه حتى قتله النعمان، فترهّبت وحبست نفسها في الدير المعروف بدير هند [6] في ظاهر الحيرة. وقال ابن الكلبيّ: بل ترهّبت بعد ثلاث سنين ومنعته نفسها واحتبست في الدير حتى

[1] ذكر ياقوت في «معجم البلدان» دير توما ولم يذكر موقعه وإنما أورد فيه أبياتا للزار الفقعسيّ منها:

تصيح إذا هجعت بدير توما ... حمامات يزدن الليل طولا

[2] اليلمق: القباء، فارسيّ معرّب.

[3] كذا في ح، أ. وفي ب، س: «هبت» .

[4] كذا في ح بدون أن وهو الأفصح. وفي باقي النسخ: «أن تموت» .

[5] كذا في أغلب الأصول. وفي م، أ: «فمكثت» .

[6] دير هند هذا هو المسمى بدير هند الصغرى، أما دير هند الكبرى فهو أيضا بالحيرة، وقد بنته هند أم عمرو بن هند، وهي هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكنديّ. انظر «معجم البلدان» لياقوت في اسم «دير هند الصغرى» و «دير هند الكبرى» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت