استعفاؤه وإباء سكينة
فلمّا صار إلى باب سكينة قرع الباب، فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج، ففتح الباب لهما، ودخلا إلى حجرة خارجة عن دار سكينة، فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة، فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء؟ قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني. قالت: أجل، فتحدّثا ساعة، وقصّ عليها ما صنع به أشعب، فضحكت، وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه، وأمرت لأشعب بعشرين دينارا وكسوة. ثم قال لها ابن سريج:
أ تأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين؟ قال: المنزل، قالت: برئت من جدّي إن برحت داري ثلاثا، وبرئت من جدّي إن أنت لم تغنّ إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدّي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدّي إن حنثت في يميني أو شفّعت فيك أحدا.
فقال عبيد: واسخنة عيناه! واذهاب دنياه! وافضيحتاه! ثم اندفع يغنّي:
أستعين الذي بكفّيه نفعي ... ورجائي على التي قتلتني
دملج سكينة في يده
الصوت المذكور آنفا. فقالت له سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر؟ ثم أخرجت دملجا [1] من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا، فرمت/ به إليه، ثم قالت: أقسمت عليك لما أدخلته في يدك، ففعل ذلك.
استدعاء عزة الميلاء
ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزّة [2] فاقرئها مني السلام، وأعلمها أنّ عبيدا عندنا، فلتأتنا متفضّلة بالزيارة.
فأتاها أشعب فأعلمها، فأسرعت المجيء، فتحدّثوا باقي ليلتهم. ثم أمرت عبيدا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها.
مجلس غناء
فلما أصبحت هيّىء لهم غداؤهم، وأذنت لابن سريج فدخل فتغدّى قريبا منها مع أشعب ومواليها، وقعدت هي مع عزّة وخاصّة جواريها، فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزّ، إن رأيت أن تغنّينا فافعلي. قالت: إي وعيشك.
فتغنّت لحنها في شعر عنترة العبسيّ [3] :
حيّيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم
إن كنت أزمعت الفراق فإنما ... زمّت [4] ركابكم بليل مظلم
فقال ابن سريج: أحسنت واللّه يا عزّة! وأخرجت سكينة الدّملج الآخر من يدها فرمته إلى عزّة، وقالت:
صيّري هذا في يدك، ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غنّنا. فقال: حسبك ما سمعت البارحة. فقالت: لا بدّ أن تغنينا في كلّ يوم لحنا. فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على/ الامتناع مما تسأله غنّى:
[1] الدملج: السوار يلبس في العضد.
[2] هي عزّة الميلاء.
[3] ديوانه: 129.
[4] زمت، زممت البعير: خطسته وعلقت عليه الزمام.