فقال: يابن عم، أعنّي على مخايلتي [1] . قال: والمخايلة المفاخرة، ثم أنشد [2] :
يا مال إحدى خطوب الدّهر قد طرقت ... يا مال ما أنتم عنها بزحزاح
يا مال جاءت حياض الموت واردة ... من بين غمر فخضناه وضحضاح [3]
فقال له مالك: ما كنت لأحرب نفسي ولا عيالي وأعطيك مالي.
فانصرف عنه، وقال مالك في ذلك قوله:
إنّا بنو عمّكم لا أن نباعلكم ... ولا نجاوركم إلّا على ناح [4]
وقد بلوتك إذ نلت الثراء فلم ... ألقك بالمال إلّا غير مرتاح
قال أبو عمرو الشيبانيّ في خبره: ثم أتى حاتم ابن عم له يقال له: وهم ابن عمرو، وكان حاتم يومئذ مصارما له لا يكلّمه، فقالت له امرأته: أي وهم، هذا واللّه أبو سفّانة حاتم قد طلع، فقال: ما لنا ولحاتم! أثبتي النظر، فقالت: ها هو، قال: ويحك هو لا يكلّمني، فما جاء به إليّ؟ فنزل حتى سلّم عليه وردّ سلامه وحيّاه، ثم قال له:
ما جاء بك يا حاتم؟ قال: خاطرت على حسبك وحسبي، قال: في الرّحب والسّعة، هذا مالي - قال: وعدّته يومئذ تسعمائة بعير - فخذها مائة مائة حتى تذهب الإبل أو تصيب ما تريد. فقالت امرأته:/ يا حاتم، أنت تخرجنا من مالنا، وتفضح صاحبنا - تعني زوجها - فقال: اذهبي عنك؛ فو اللّه ما كان الذي غمّك ليردّني عما قبلي. وقال حاتم [5] :
إلا أبلغا وهم بن عمرو رسالة ... فإنك أنت المرء بالخير أجدر
رأيتك أدنى الناس منّا قرابة [6] ... وغيرك منهم كنت أحبو وأنصر
إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... بموت فكن يا وهم ذو يتأخّر
ذو في لغة طيىء [7] : الذي.
قالوا: ثم قال إياس بن قبيصة: احملوني إلى الملك، وكان به نقرس، فحمل حتى أدخل عليه، فقال: أنعم صباحا أبيت اللعن، فقال النعمان: وحيّاك إلهك، فقال إياس: أتمدّ أختانك بالمال والخيل، وجعلت بني ثعل في قعر الكنانة! أظنّ أختانك أن يصنعوا بحاتم كما صنعوا بعامر بن جوين [8] ، ولم يشعروا [9] أنّ بني حيّة بالبلد؛ فإن شئت واللّه ناجزناك حتى يسفح الوادي دما، فليحضروا مجادهم غدا بمجمع العرب.
فعرف النعمان الغضب في وجهه وكلامه، فقال له النعمان: يا أحلمنا لا تغضب؛ فإني سأكفيك.
[1] أ: «مخابلتي» ، بالباء تحريف.
[2] ديوانه 31.
[3] ف: «بضحضاح» . والغمر: الماء الكثير، والضحضاح: الماء اليسير.
[4] في «اللسان» : باعل القوم قوما آخرين مباعلة وبعالا: تزوج بعضهم إلى بعض. وناح: يريد ناحية.
[5] ديوان حاتم 31.
[6] ف: « ... أدنى الناس مني ... » .
[7] ف: «ذو: لغة أهل اليمن: الذي» .
[8] ف: «بن حر» .
[9] ف: «و لا يشعرون» .