فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بحق فلان، أعد بحق فلان، حتّى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي؛ فأعاده. قال: فقام إليه فأكبّ عليه فلم يبق عضو من أعضائه إلّا قبّله وأهوى إلى هنه؛ فجعل ابن عائشة يضمّ فخذيه عليه؛ فقال: واللّه العظيم لا تريم حتّى أقبّله، فأبداه له فقبّل رأسه، ثم نزع ثيابه فألقاها عليه، وبقي مجرّدا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة وقال: اركبها - بأبي أنت - وانصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك؛ فركبها على بساطه وانصرف.
أمر لمحتاج بمال فأبى إلا سماعه فحكى ذلك للوليد فجعله في ندمائه
وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن الحسن النّخعيّ قال/ حدّثني محمد بن الحارث بن كليب بن زيد الرّبعي قال:
خرج ابن عائشة المدنيّ من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه:
أبعدك معقلا أرجو وحصنا ... قد اعيتني المعاقل والحصون
-وهي أربعة أبيات، هكذا في الخبر، ولم يذكر غير هذا البيت منها - قال فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة [1] القصّار كسوة. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ، فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني؛ فدنا منه وقال: جعلت فداءك، أنت ابن عائشة أمّ المؤمنين؟ قال: لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمّي وحسبك هذا فلا عليك أن تكثر؛ قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة؟ قال: غنّيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة؛ قال: جعلت فداءك، فهل تمنّ عليّ بأن تسمعني ما أسمعته إيّاه؟ فقال له: ويلك! أمثلي يكلّم بمثل هذا في الطريق! قال فما أصنع؟ قال: الحقني بالباب. وحرّك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته لينقطع عنه؛ فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل؛ فلمّا أعياه قال لغلامه: أخله؛ فلما دخل قال له: ويلك! من أين صبّك اللّه عليّ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء؛ فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال: وما ذاك؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تتصرف بها إلى أهلك؛ فقال له: جعلت فداءك، واللّه إنّ لي لبنيّة ما في أذنها - علم اللّه - / حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإنّ لي لزوجة ما عليها - يشهد اللّه - قميص. ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلّة [2] والفقر اللذين عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أعجب إليّ - وكان ابن عائشة نائها لا يغنّي إلّا لخليفة أو لذي قدر جليل من إخوانه - فتعجّب ابن عائشة منه ورحمه، ودعا بالدّواة [3] وكان يغنّي مرتجلا، فغنّاه الصوت؛ فطرب له طربا شديدا، وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ أن عنقه سينقصف، ثمّ خرج من عنده ولم يرزأه شيئا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد فسأل ابن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث. ثم جدّ الوليد به فصدقه عنه، وأمر بطلب الرجل فطلب حتّى أحضر، ووصله صلة سنيّة، وجعله في ندمائه ووكّله بالسّقي، فلم يزل معه حتّى مات.
[1] كارة القصار: الثياب التي يجمعها ويحملها، وسميت كارة لأن القصّار يكوّر الثياب في ثوب واحد ويحملها فيكون بعضها فوق بعض.
[2] الخلة: الحاجة والخصاصة.
[3] كذا في جميع النسخ، ولعلها محرفة عن الأداة: آلة من آلات الغناء، أو لعله دعا بدواة لينقر عليها في توقيعه.