كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربيّ شاعرا، وكان حلو الأحاديث، عنده أحاديث حسنة غريبة من أخبار العرب وأيامها وأشعارها، وكان على ذلك يصيب من الشراب، فكان كلّ من قدم من ولاة بني أميّة وأحداثهم ممّن يصيب الشراب يدعوه وينادمه، فلمّا ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان/ في نفسه وكان قد سبعه [1] ، فحقد عليه مروان واضطغنه، وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه، وابن سيحان لا يظنّ أنّ مروان يفعل به الذي فعله، وقد كان مدحه ابن سيحان ووصله مروان، ولكنّ مروان أراد فضيحة الوليد، فرصده ليلة في المسجد، وكان ابن سيحان يخرج في السّحر من عند الوليد ثملا فيمرّ في المقصورة من المسجد حتّى يخرج في زقاق عاصم، وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلّي، وكذلك عبد اللّه بن حنظلة وغيرهما من القرّاء يبيتون في المسجد يتهجّدون، فلمّا خرج ابن سيحان ثملا من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه، ثمّ دعا له محمد بن عمرو وعبد اللّه بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أمّ القرآن فلم يقرأها، فدفعه إلى صاحب شرطته [2] فحبسه؛ فلمّا أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أنّ مروان إنّما أراد أن يفضحه، وأنّه لو لقي ابن سيحان ثملا خارجا من عند غيره لم يعرض له، فقال الوليد: لا يبرّئني من هذا عند أهل المدينة إلّا ضرب ابن سيحان، فأمر صاحب شرطته [2] فضربه الحدّ ثم أرسله.
مكث في بيته استحياء فحمله عبد الرحمن بن الحارث على الخروج إلى المسجد
فجلس ابن سيحان في بيته لا يخرج حياء من الناس، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليسا فقال له: ما يجلسك في بيتك؟ قال: الاستحياء من الناس؛ قال: اخرج أيها/ الرجل، وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة، فقال له: البسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذّب به مكذّب، ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنّه يصلك ويبطل هذا الحدّ عنك؛ فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسّطا لهم حتى دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة؛ فقائل يقول: لم يضرب، وقائل/ يقول:
رحل إلى معاوية وشفع فيه يزيد فعفا عنه وكتب بذلك إلى الوليد
أنا رأيته يضرب، وقائل يقول: عزّر أسواطا. فمكث أياما ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه، وكلّم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصّته وما صنعه به مروان، فقال: قبّح اللّه الوليد ما أضعف عقله! أما استحيا من ضربك فيما شرب! وأمّا مروان فإنّي كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودّتك له، ولكنّه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب، وقد صيّر نفسه في حدّ كنّا ننزّهه عنه، صار شرطيا! ثم قال لكاتبه: اكتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعد، فالعجب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه، ما زدت على أن عرّفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرّم عليك، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الحدّ عن ابن سيحان، وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أنّ صاحب شرطك تعدّى عليه وظلمه، وأنّ أمير المؤمنين قد
[1] كذا في ح. وسبعه: طعن عليه وعابه وشتمه ووقع فيه بالقول القبيح. وفي ب، س، ء، ط: «شعثه» ولم نجد لشعث مخففا أو مضعفا معنى يناسب المقام. وفي م: «سغنه» ولا معنى لها.
[2] في ط: «شرطه» .