وعلى النعمان عجت به ... عوجة ذادته عن صدره
غمط النعمان صفوتها ... فرددت الصفو في كدره
ولقرقور أدرت رحا ... لم تكن [1] ترتد في فكره
قد تأنيت البقاء له ... فأبى المحتوم من قدره
وطغى حتى رفعت له ... خطة شنعاء من ذكره
قال: فغضب المأمون واغتاظ، وقال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.
أنشد أبا دلف مدحته بعد أن قتل قرقورا:
قال ابن أبي فنن: وهذه القصيدة قالها عليّ بن جبلة وقصد بها أبا دلف بعد قتله الصّعلوك المعروف بقرقور، وكان من أشد الناس بأسا وأعظمهم. فكان يقطع هو وغلمانه على القوافل وعلى القرى، وأبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه. فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد وقد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه وهو راكب فرسا يشق الأرض بجريه، فأيقن أبو دلف بالهلاك، وخاف أن يولّي عنه فيهلك، فحمل عليه وصاح: يا فتيان! يمنة يمنة - يوهمه أن معه خيلا قد كمنها له - فخافه قرقور وعطف على يساره هاربا، ولحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره، ونزل فاحتزّ رأسه، وحمله على رمحه حتى أدخله الكرج.
/ قال: فحدّثني من رأى رمح قرقور وقد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر. فلما أنشده عليّ بن جبله هذه القصيدة استحسنها وسرّ بها وأمر له بمائة ألف درهم.
اتساع شهرة قصيدته فيه:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال: أخبرني إبراهيم بن خلف قال:
بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل - وهما إذا ذاك بالعراق - إذ مرّا بامرأتين تتماشيان، فقالت إحداهما لصاحبتها: هذا أبو دلف، قالت: ومن أبو دلف؟ قالت: الّذي يقول فيه الشاعر:
إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف ... ولّت الدنيا على أثره
قال: فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه. قال له معقل: مالك يا أخي تبكي؟ قال: لأني لم أقض حقّ عليّ بن جبلة.
قال: أو لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة؟ قال: واللّه يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على أني لم أكن أعطيته مائة ألف دينار. واللّه لو فعلت ذلك لما كنت قاضيا حقه.
شدة إعجاب أبي تمام ببيت من بائيته:
حدّثني الحسن بن عليّ قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني عبد اللّه ابن محمد بن جرير قال:
أنشدت أبا تمام قصيدة عليّ بن جبلة البائية، فلما بلغت إلى قوله:
[1] كذا في ب، س. في ج: «تكد» .